تحاليل

من حريق دبي الى عروس البحر: علامة الساعة؟

جدل / نصر الدين بن حديد: 

      نعيش زمن الصورة بامتياز ونعيش زمن الصورة (أساسا) القادرة ليس على اختضار المشهد بل صناعة الوعي وصياغة المفاهيم، ومن ثمّة تستطيع صورة او هي استطاعت ان تمحو سابقاتها وتصبح الحقيقة الماثلة (لوحدها) امام الجميع.

يمكن الجزم انّنا امام مجموعة من الصور التي تخصّ مجموعات من البشر، ويتقاطع بين هذه المجموعة وتلك خلق كثير. لكن صور الاحتفالات برأس السنة الميلادية (او الإدارية لمن هم على حياء)، تأتي شديدة البلاغة، ليس فقط، لاختزال هذه المناسبة ”اهتمامات” (كبرى)، بل لأنها (أي الفرصة) جمعت (ككل عام) بين الاماني والدعاء، في مقابل الاستهلاك، بل الافراط في الاستهلاك.

هزّت صورة الحريق في دبي، والمشاهد التي عرضتها القنوات من هناك، المشاهدين، الذين أبدوا في (الأغلب) ”شماتة” تراوحت بين “نصفية الحساب” مع هذه الامارة ومن ورائها الدولة بكاملها، لوقوفها ضدّ “الاخوان” او هو “التدخل في شؤون الغير”. وكذلك ”نفس ديني” يستنكر (ما يقولون) ”حال الفسق” التي وصلت اليه هذه الامارة.

الإحالة على ”الغضب الإلهي” متأكد لدى العديدين الذين اعتبروا انّ ”الله يمهل ولا يهمل”، سواء للدور السياسي للإمارة او الدولة. او لما هو ”المجون” هناك.

وجب التأكيد انّ (هذه) النفوس تحسّ براحة او باستقرار أكبر عندما تمارس دور “المفسّر” لهذه ”الظواهر” خصوصا امام هذا التزامن ”المريب”، بل تستبطن دور ”القاضي” وكذلك ”المفتي” بهذا الربط ”الرباني” بين ”الجريمة” مقابل ”العقاب”…

أخطر من هذه ”الفتاوى” (او بعضهم) يقف في ”منتصف الطريق” بين رفض هذه ”الاحتفالات” وتجريم الفاعل مقابل التحليل المطلق، حين يحتفلون بها ”في حياء” او هم يقبلون تبادل التهاني. كأنّ التبادل شكل ”خفيف” لا يورث ذنبا او هي ”معصية” (كمثل ما هو في دبي).

أخطر من هذا ”التنسيب” (المرضي) في ذاته، ان يعتبر كلّ واحد، نفسه ”المرجع” وممارسته هي ”الصواب” عينه، بين من أعلن رفضه الاحتفال واكتفى بالصمت والتراجع، وبين رفض واعتبر الامر باب ”معصية”. وصولا الى الذين يرون الامر ”ركنا مؤسسا” لحياتهم وخاصة لهوهم وتمتعهم بالدنيا.

كالعادة، تدخل المعادلة، اعتبارات مثل ”التطرّف” والتسامح”. وتركب هذه ”المعارك” مسطرة التجاذب ”الكلاسيكي” بل ”المزمن” بين الطوائف القائمة جميعها.

كذلك هزّت صورة فتاة او امرأة، تمدّد على طاولة العرض، في صورة ”عروس البحر” (دون عراء فاضح) في مشهد عاجز عن أي ايحاء (الى عروس البحر) بل جاءت هذه الفتاة او المرأة أشبه ما تكون ”بضاعة” (في ذاتها) قابلة للبيع !!

انّها ” صورة المرأة ” في زمن التجارة والتنافس وفعل أيّ شيء من اجل تصريف البضاعة زمن تراجع الاقتصاد (عامّة) واقبال الناس على الاستهلاك بهذه المناسبة (رأس السنة).

صورة هزّت كلّ من وصلت اليه، فتاة او امرأة ممددة، كمثل بائعات الهوى في دول لا تزال تجيز هذه الممارسة، للفرجة اوّلا، مع استثناء (في هذه الحالة) انّ الاستهلاك يكون للسلع المعروضة، اما هذا الجسد الانثوي، فيكون لاستهلاك الفرجوي…

قمّة التناقض ومنتهى التضارب، في بلد يدّعي الحريات ودستور يحفظ الكرامات وديمقراطية تؤكد المواطنة. عرض امرأة (مع ما يحيل عليه الجسد الانثوي) لا يتفق مع ”حرية الابداع” وماهو ”مباح” (بالأخلاق والعرف والقانون) …

المصيبة كلّ المصيبة انّ القانون غائب او مغيّب او هو عائم ضبابي. والأخلاق ليست محلّ اجماع او اتفاق بخصوص الحدّ الأدنى، كما انّ العرف غائب لانعدام التراكم وكذلك العمق الزمني.

نحن فعلا امام معضلة كبرى…نفوس يتملّكها الخوف واناس يبحثون عن امل، وشعوب عاجزة عن تحديد البوصلة (بوصلة المجتمع)، ممّا جعل الفرد يعتبر نفسه ”مفتيا” والكلّ يرى في الآخرين (او من يريد) من ”المارقين” (على التقاليد)، او المتخلفين عن ركب الحداثة…

هي جولة أخرى من جولات تفتيت المجتمع والهروب نحو “الذاتية” والبحث عن مخرج فردي بما في ذلك ”الإرهاب” على اعتباره الحلّ ”الفردي” أو ”الفوقي” لكل مشاكل المجتمع…

زمن الازمات وغموض الرؤية وتدنّي الثقة (او انعدامها) في قادم الأيام، كما نعيش راهنا يكثر اللجوء الى ”الغيبيات” سواء جاء في صورة ”ايمانا دينيا” او صورة من صور الشعوذة المتدثرة بالدين، او هو المسعى كما حال اغلبية الناس مع نهاية سنة ميلادية وبداية أخرى، حين يوغلون في التفاؤل وتبادل الامنيات، كأنّ إشاعة (هذا) التفاؤل، قادرة على زحزحة الواقع من هذا الخوف او الريبة الجاثمة على الصدور الى امل أكبر ومستقبل افضل…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق