تحاليلتونس

تونس : هل هي حرب الخلافة من جديد ؟

 

صالح عطية / جريدة “الشرق” القطرية

بدأت تداعيات العملية الإرهابية التي طالت حافلة الأمن الرئاسي الأسبوع المنقضي، تظهر على مستوى الحكم، كما على صعيد المشهد السياسي برمته..

   فبعد الإعلان عن حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وقرار حظر التجوال بالليل، وما رافق ذلك من مداهمات للبيوت بحثا عن “إرهابيين” أو مشتبهين بعلاقتهم بتفجير “الثلاثاء الأسود”، أعلن عن إعفاء كاتب الدولة للأمن، رفيق الشلّي، واستبدال عدد من القيادات الأمنية العليا بقيادات جديدة، ما يؤشر لتغيير التنظيم الأمني وإستراتيجية مواجهة الإرهاب ومن يقف وراءه، داخليا وخارجيا..

   وتتحدث معلومات موثوقة، عن تعديل حكومي مرتقب، بهدف إعطاء ديناميكية جديدة للحكومة التي تشكو بعض شرايينها عطلا واضحا، وشبهات فساد بات الحديث عنها في وسائل الإعلام بشكل مكثف، خصوصا ما تعلق منها بالتنمية والاتصالات والصحة وغيرها..

   لم تكتف السلطة بهذه الخطوات، بل تدخل رئيس الجمهورية ليضع يده في “عجين”، اعتبره كثيرون خارجا عن صلاحياته، عندما تحدث عن الخلاف القائم بين أجنحة وتيارات صلب حزب نداء تونس (الحاكم)، الذي أنشأه السيد الباجي قايد السبسي، وتزعمه لسنتين قبل أن يستقيل منه لحظة دخوله القصر الرئاسي..

   ورغم الجدل القائم حول دستورية موقف رئيس الجمهورية من تدخله في هذا الخلاف الحزبي، فإن الرسالة السياسية الأهم التي بعث بها للجميع، هي أن استمرار الصراع داخل حزب نداء تونس، سيؤدي إلى هزّ الاستقرار السياسي في البلاد، ومن شأنه الإخلال بالتوازن السياسي الذي نشأ الحزب بغاية إيجاده، قبل أن يتم تكريسه في منظومة الحكم، من خلال التوافقات مع حركة النهضة، التي نوهت به جهات إقليمية ودولية عديدة، واستنكفت منه أطراف أخرى، في إطار الصراع الإقليمي حول سياقات الربيع العربي ومآلاته..

   لكن تداعيات العملية “الإرهابية”، لم تقف عند هذا الحدّ، فقد اتخذتها أطراف سياسية توصف بـ “الإستئصالية” في تونس، ذريعة للمطالبة بفكّ الارتباط بين نداء تونس وحركة النهضة، وتغيير سياق التحالفات الحزبية، بما ينهي التشكيل الحكومي الراهن، ويضع لبنات حكومة ائتلافية واسعة، تقصي حركة النهضة نهائيا من منظومة الحكم..

   وعلى خلفية هذه المطالبات الحزبية التي تتحرك إثر كل خطر إرهابي تواجهه البلاد، يثار موضوع الخلافة من جديد، وبقوّة.. فالبعض، يرى أن العلاقة بين الشيخين (الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي)، هي المهيمنة على المشهد السياسي العام في البلاد، سواء في مستوى الحكومة أو البرلمان أو في الحياة السياسية، وهو ما يؤشر لحالة فراغ ممكنة، طالما أن هذه التوافقات لم ترتق إلى المستوى المؤسساتي، بحيث ظلت رهن العلاقة الشخصية بينهما..

   ويواجه رئيس الجمهورية في هذا السياق، محاولات إضعاف وإرباك متواصلة، جنّد لها سياسيون وإعلاميون ومؤسسات محلية وإقليمية، وكانت العملية الإرهابية الأخيرة، ذروة هذا الاستهداف للرئيس التونسي.. لذلك لم يتردد الرجل في القول بأن عملية التفجير تلك، كانت تستهدف إسقاط الدولة، والنيل من رأسها.. ما فتح المجال واسعا للحديث عن “انقلاب قد فشل”، وعن “محاولة يائسة للإطاحة بالحكم الحالي”، وهو ما يفسّر حديث بعض الإعلاميين والسياسيين، عن صراع محتمل على السلطة، وتحديدا على خلافة الباجي قايد السبسي، وأعاد للأذهان الصراع على الحكم في الهزيع الأخير من عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، وسط مقاربات ترى بأن حديث الخلافة سابق لأوانه، لاعتبارات إقليمية ودولية، ولأن الرئيس التونسي، يمثّل اليوم ضمانة الاستقرار في هذا الظرف الدقيق والمعقّد الذي تمرّ به البلاد..

   بالتأكيد، تعكس هذه التطورات أزمة ثقة بين الفاعلين السياسيين، وهوس غير مسبوق نحو السلطة، في محاولة لاستغلال هشاشة الوضع، وحالة الانتقال الديمقراطي الجنيني في تونس، التي تعدّ الأكثر تعقيدا في مشهد إقليمي متقلب ومفتوح على كل الاحتمالات..

   والسؤال المطروح في هذا السياق هو : هل تصمد التوافقات الراهنة رغم هشاشتها، أم ينجح خصومها في إجهاضها وتغيير معادلات الوضع الراهن ؟؟

صدر في جريدة “الشرق” القطرية

بتاريخ 04 ـ 12 ـ 2015

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق