تقاريرتونس

الديمقراطية التوافقية وإعادة إنتاج الأزمة في تونس

Tunisia

توفيق المديني

 

يُشَّبِهُ العديد من التونسيين هذه «الديمقراطية التوافقية »بمولود جديد ناجم عن زواج غير شرعي ،بين اليمين الليبرالي بزعامة حزب« نداء تونس» و اليمين الديني بزعامة حزب «النهضة الإسلامي»،الذي أفرز تشكيل حكومة الحبيب الصيد،المتكونة من أربعة أحزاب سياسية،هي «النداء» و«النهضة» و« الاتحاد الوطني الحر» و« آفاق تونس» ، وهي أحزاب جميعها ذات توجّه ليبرالي. وفيما كانت الحكومة السابقة بقيادة حزب «النهضة الإسلامي» تلقب ب«حكومة الترويكا» نظراً لمشاركة حزبين صغيرين فيها ،هما :حزب المؤتمر و حزب التكتل ، عقب انتخابات 23أكتوبر 2011، فإن الحكومة الحالية التي يترأسها الحبيب الصيد تلقب ب«الكواترو»أو «الرباعية».

في تقويم موضوعي لنتائج تجربة «الديمقراطية التوافقية» في ظل حكومة الحبيب الصيد، يمكن القول أن الأحزاب الأربعة يجمعها قاسماً مشتركَا ، ألا وهو الإيمان بالليبرالية الاقتصادية ، والاندماج في نظام العولمة الليبرالية عبر الإعتماد على المؤسسات الدولية المانحة و الدول الأوروبية و الولايات المتحدة الأميركية ، من أجل الحصول على القروض، و جلب الإستثمارات ،واتباع نهج التنمية الذي كان سائدًا خلال العقود الخمسة الماضية، والذي وصل إلى مأزقه مع بداية الألفية الجديدة، واندلاع الثورة مع بداية 2011.فقد كانت  للأزمة الاقتصادية و المالية العالمية لسنة 2008-2009، تداعيات خطيرة على الاقتصاد التونسي ، لجهة أنها كشفت بصورة جلية  مأزق نمط التنمية المتبع في تونس، القائم  على ثلاثة قطاعات أساسية، هي:

-قطاع صناعة المنسوجات و الملبوسات الذي يعتمد على اليد العاملة الرخيصة.

 -قطاع الصناعات الصغيرة و المتوسطة، الذي يقوم بتصنيع قطع الغيار الميكانيكية والكهربائية والالكترونية، التي تأتي مادتها الأولى من الخارج ثم تعود إليه، من دون الارتباط بحلقات إنتاجية أفقية. وفضلاً عن ذلك، اصطدم قطاع  الصناعات الصغيرة و المتوسطة بعوائق بنيوية ،منها غياب الشفافية ودولة القانون التي تحمي  استثمارات القطاع الخاص، و محدودية فرص الحصول على تمويل من جانب المستثمرين المحليين ، الأمر الذي يجعل هذا القطاع الصناعي غير قادر على خلق فرص عمل جديدة.

-قطاع السياحة الذي يشكل  مصدر الدخل الثالث من العملة الصعبة للبلاد، فهوموجهه لذوي الدخل المتوسط و الضعيف من الأوروبيين.و في ظل الأزمة العالمية التي تعيشها بلدان الاتحاد الأوروبي ، وتفاقم ظاهرة الإرهاب في تونس ، تقلص عدد الوافدين من السياح الأوروبيين إلى تونس.

وتعاني تونس من ظواهر خطيرة باتت تشكل أمراض هيكلية للاقتصاد التونسي، ألاوهي  ظاهرة البطالة التي تؤثر على أكثر  17في المئة  من عدد سكانها البالغ عددهم 11 ملايين نسمة، واستفحال الأمراض الإدارية المعدية مثل الروتين والرشوة وعدم الشعور بالمسؤولية ، وسقوط  القيم الوطنية و بالتالي القيم الاجتماعية إلى الهاوية ، وانتشار الذاتية و الأنانية الموغلة في الفردانية ،وظاهرة الفساد وسرقة  المال العام وتجاوز السلطة والاعتداء على أملاك الدولة، ممّا نتج عنه وجود شبكة مصالح أوجدت لوبيات بشكل حتمي لهاارتباطات قوية فيما بينها للدفاع عن وجودها ،فبقائها، فتطوّرها وانتشارها ،فاتساع رقعتها، وأصبحت تلك الارتباطات تنشط خارج إطار الدولة من خلال التهريب والتهرب الضريبي، الأمر الذي تحوّل بمرور الزمن إلى ثقافة، عامة تسرّبت حتى إلى مؤسسات الدولة.

ولم يكن في برنامج حكومة «الديمقراطية التوافقية  » التي يترأسها الحبيب الصيد ، أي مسعى لمحاربة الفساد ، الذي أصبح له لوبيات قوية داخل هياكل ومؤسسات الدولة نفسها، حيث استطاعت هذه اللوبيات بعد الثورة المزاوجة بين التهريب والإرهاب .كماعجزت حكومة الصيد عن انتهاج نموذج جديد للتنمية يقوم على إعطاء دور حقيقي للدولة لكي تضطلع بالمشاريع الاستراتيجية  المنتجة، والتحرر من ضغوطات الدول و المؤسسات  المالية المانحة التي تريد فرض شروطها، لا سيما برامج الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد، التي تفرض التضييق الأقصى من مجالات تدخّل الدولة، وتوسيع مجال الأفراد الخواص الذين لا يتجاوز عددهم بعض العشرات على حساب الملايين من الفقراء، وعلى ضرب منظومة الفساد،و انتهاج سياسة إغراق البلاد  في الديون الأجنبية، والتغطية على الجرائم الكبرى مثل الاغتيالات السياسية، وإفساح في  المجال للمافيات لتتحرك بكل حرية في كل أرجاء البلاد مثلما هو الشأن لمحاولة تصفية رجل الأعمال رضا شرف الدين مؤخراً، أو السيطرة على مؤسسات إعلامية وعلى بعض الأجهزة الأمنية.

وبدلاً من أن تتبع نهجا سياديًا وطنياً، أبقت حكومة« الديمقراطية التوافقية» على علاقات التبعية لتونس مع دول الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الأميركية، وبعض الدول الخليجية، التي تمكنت عبرالنظام الديكتاتوري السابق، وكذلك في ظل «حكومات الترويكا »بقيادة النهضة زمن الانتقال الديمقراطي، من التدخّل في القرار السياسي الوطني السيادي، إذ أصبح هذا الأخيرمرتبطًا بمصالح تلك الدول،ولوبياتها الموجودة داخل هياكل ومؤسسات الدولة التونسية.فسارت حكومة «الديمقراطية التوافقية» في نفس الطريق الذي كانت تتبعه حكومة النهضة، من تشريع القوانين وفقا لمصالح لوبيات الفساد ،والمافيات، و ارتباطات تونس بالمحاور الغربية و الخليجية المعادية لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية ، ولانتهاج تونس نموذج  جديد من التنمية يقطع مع نهج التبعية للغرب. والحال هذه أبقت حكومة «الديمقراطية التوافقية» على نفس تلك المنظومة الاقتصادية و الاجتماعية الفاسدة التي تشكلت تاريخيًا واستطاعت التداخل مع الدولة، الأمر الذي أدّي إلاّ إلى مزيد من تفقير الفقراء وإثراء الأثرياء،و إعادة إنتاج شروط الأزمة الهيكلية التي تعاني منها تونس.

  وجاءت أزمة حزب«نداء تونس»لتزيد من تعميق الأزمة التي تعيشها تونس، لا سيما أن التداعيات التي ستتركها على صعيد عمل مؤسسات الدولة في ظل تجربة ديمقراطية هشة، وعلى صورة تونس ،وعلى الاستحقاقات الانتخابية القادمة، ستكون سلبية. فمن  تداعيات هذه الأزمة داخل حزب «نداء تونس»، سيناريو حدوث الانقسام في كتلته البرلمانية (86نائباً). فإذا ما انقسم الحزب إلى قسمين،  أصبحت الكتلة الممثلة له أقل عددا من الكتلة الثانية (حركة النهضة 69 نائبا )، وسيشهد المشهد البرلماني آنذاك انقلابًا جذريًا.

فالمشهد البرلماني انبنت هيكليته وموازين القوى فيه على تراتبية واضحة وحلف بين الاحزاب الأربعة(النداء، و النهضة، و اتحاد الوطني الحر، و آفاق تونس)مما شكل أغلبية مهمة مكنت الحكومة من الحصول على رقم قياسي من الأصوات بلغ 166 صوتًا ،بيد أن هذا الرقم أصبح قابلاً للقسمة بعدما تشبث عدد من نواب نداء تونس (أكثر من 30 )بالخروج من كتلة النداء وتشكيل «كتلة موازية» .ولئن كان قرارهم المبدئي الإبقاء على موقفهم الداعم للحكومة ،فإن فرضيات التقارب مع أحزاب أخرى بدأت تتأكد بشكل تصاعدي.فانسحاب عدد من نواب النداء قد لا يتجاوز الثلاثين نائبا بالرغم من إن عدد النواب الذين وقّعوا البيان الاخير للمكتب التنفيذي تجاوز الثلاثين ،سيجعل من الكتلة الأولى تحت قبة البرلمان تنزل إلى ما يقارب الخمسين نائبًا وهوما يجعل كتلة حركة النهضة التي تضم 69 نائبَا تتصدر المشهد البرلماني وتصبح الكتلة الأولى ،في حين تصبح كتلة النداء الثانية والكتلة الجديدة الثالثة وكتلة الاتحاد الوطني الحر الرابعة … وهذا الترتيب الجديد يقلب كل المعادلات ويمكن أن يؤدي الانشقاق إلى انسحاب إحدى الكتلتين من الأغلبية، وتبقى بالرغم من ذلك الحكومة قائمة ،وقد تتحول إلى حكومة أقلية وتواصل مهامها ولكن تكون في هذه الحالة حكومة ضعيفة سياسيا ،ولكن  ضعفها لن يؤثر على وجودها وعلى استمرارها.ويمكن أن يمتد تأثير الانشقاق في الكتلة البرلمانية لحزب «نداء تونس»نحو تركيبته التنظيمية  ،إذ من المحتمل أن ينشأ من صلب الأزمة حزب جديد يكون على شاكلة ظروف نشأة الحزب أي حزب«نداء تونس» .وكان هذا التصدع الذي يعيشه حزب «نداء تونس » متوقعًا لأن قيادات الحزب هذا اجتمعوا حول الرفض لمشروع حزب« النهضة الإسلامي» ولم يجتمعوا حول مشروع وطني ديمقراطي واضح.

 

صحيفة السفير اللبنانية، قضايا و آراء، السبت 14نوفمبر 2015

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق