تونس

أربعينية الفقيد القاضي الفاضل مختار اليحياوي : حضُور قوي لرفاق الدرب و غياب أقوى لغيرهم

 

طارق العبيدي
مثلما احتضنت المحاماة الفقيد القاضي المتمرد الثائر مختار اليحياوي في حياته، واحاطت به إحاطة كاملة عقب رسالته الشجاعة والشهيرة التي نشرها سنة 2001 والتي كانت بمثابة زلزالا مدويا هز آنذاك أركان النظام النوفمبري الدكتاتوري وعرى عورة القضاء التونسي، احتضنته وهو ميتا… يوم وفاته ويوم تشييع جنازته وفي أربعينيته منذ يومين، حيث تم احيائها بمبادرة من المحامين في فضاء دار المحامي بباب بنات يوم الخميس الفارط بحضور عائلته ورفاق دربه الشجعان وفرسان الكلمة الحرة، وألقى أصدقائه المقربون كلمات صادقة في الرجل الذي كان اول قاض تونسي يفجر ويعري موضوع عدم استقلال القضاء التونسي وتبعيته للدكتاتور وخضوعه الكامل للسلطة وخدمته لاصحاب النفوذ والمافيا… وقد اتخذت تلك الرسالة أهمية واهتمام كبير في تونس وفي كل أنحاء العالم لانها كانت صادرة عن قاض “شاهد عن أهله”.

الملفت للانتباه حقا في هذا الحدث ان الحضور كان قويا لرفيقات ورفاق دربه المناضلات والمناضلين الصادقين من المحامين والحقوقيين وفرسان الكلمة والصحفيين… وحضر من القضاة فقط السيدة وسيلة الكعبي بوصفها نائبة عن الهيئة الوقتية للقضاء العدلي… رغم ان دار المحامي لا تبعد اكثر من مترات عن قصر العدالة وعن محكمة الاستئناف ومحكمة التعقيب ووزارة العدل وقصر الحكومة.

والذي جلب انتباهي وألقى في نفسي اكثر من سؤال… لماذا اقتصر الحضور على الرفاق الشجعان فقط… هل فشلنا في نقل الرسالة وبقيت سجينة فينا !؟ ام ان الوضع العام لم يتغير عن سابقه قبل الثورة وموضوع استقلال القضاء والقضاة الشرفاء لا يزال يخيف المعنيين !؟… فعددنا وأشخاصنا التي كانت محيطة بالرجل هي نفسها بعد مماته دون زيادة ولا نقصان !؟

عرفت الرجل من قريب سنة 2002 بمناسبة تأسيس مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة وكانت الكلمة الوحيدة التي صاحبت اول مصافحة له “شرفت البلاد يا رئيس”… منذ ذلك التاريخ أصبحنا أصدقاء نتقابل ونناقش لساعات في منزله وخارجه الشأن العام وكنت اشعر بانه يائس من زملائه القضاة…

بعد الثورة واصلنا النقاش وكنت احثه على ان مكانه الطبيعي القضاء وغيره لمن غيره، لانه في حاجة ماسة اليه، وكان لا يكترث كثيرا وكأن شيء لم يتغير بالنسبة اليه !… وفعلا أعطى ظهره للقضاء والقضاة ومات كمدا في منزله الريفي الذي كان يبنيه في مكان معزول في احد الأرياف النائية لولاية بنزرت… وبعد كل هذا تقول القاضية الوحيدة التي حضرت التظاهرة بانه قد تحقق لمختار اليحياوي ما أراده في القضاء التونسي قبل ان يموت !؟

الى رفاقه الشرفاء المناضلين، والى كل الصادقين المحبين خيرا لهذه البلاد ولمواطنيها ولنسائها ورجالها المقاومين من اجل قضاء نزيه… محايد… كفء… مستقل… الى كل هؤلاء : انتبهوا ! رسالة وفاة القاضي الشجاع مختار اليحياوي وهو يسعى الى بناء منزلا ريفيا معزولا عنا جميعا لا تقل رمزية عن رسالة حياته التي زلزل بها كيان الجميع سنة 2001 ! …

انتبهوا لرسالة وفاته… فهي في نظري اخطر واهم من رسالة حياته !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق