تحاليلتونس

في الذكرى العاشرة لانطلاق فعالياتها وخوض إضراب الجوع التاريخي:ماذا بقي من روح حركة 18 أكتوبر2005؟

علي عبداللطيف اللافي

 

تمر هذه الأيام الذكرى العاشرة لالتقاء مكونات المعارضة التونسية عبر أو فعل مشترك ضد الدولة البوليسية، أي تنظيمها لإضراب الجوع التاريخي والذي تم تنظيمه بمناسبة فعاليات الملتقى الدولي لمجتمع المعلومات قي أكتوبر 2005، وهو الإضراب الذي عرى الدولة البوليسية وحزبها الحاكم وتبين يومها زيف مقولات النظام السياسي القائم أمام شعب آمن بإرادته و التي عبرت عنها حركة 18 أكتوبر في نصوص مشتركة لكل الفرقاء السياسيين مما أكسب الفاعلين القدرة على نحت  خارطة طريقة واضحة المعالم والتي مهدت لاحقا لإسقاط النظام القمعي، حيث جاءت تباعا أحداث الحوض المنجمي و الأنشطة المتعددة للحقوقيين والمعارضين عبر متابعة نوعية وفريدة للمدونين التونسيين عبر التدوينات و التعبير عن المطالب الشعبية و عبر التوعية اليومية والمستمرة والتي أسهمت في ضرب المنظومة الإعلامية التابعة للنظام في مقاتل رئيسية، والتي لاحت بوضوح تام في أحداث رمضان 2010 ببن قردان  وغيرها من التطورات اللاحقة والتي لم تكن سوى مُقدمات موضوعية لأحداث الثورة التونسية والتي توجت بمسيرة 14 جانفي الفريدة بعد تسارع الأحداث في كل الولايات والمعتمديات والأحياء الشعبية وصولا للعاصمة …

ولكن دراماتيكية التطورات و الأحداث تسارعت بعد الثورة نتاج لتطورات الدولية الإقليمية والوطنية والتي كان من نتاجها تشكل المشهد السياسي والذي عرف  تقلبات نوعية من حيث مكوناته ومن حيث تموقع حلفاء الأمس من المعارضين للمخلوع و حزبه، فماذا بقي اليوم من روح ونصوص حركة 18 أكتوبر بعد عشر سنوات من انطلاقها وتشكلها السياسي خاصة و أنها كانت كما أسلفنا في تبيانه حدثا فارقا ومفصليا في تاريخ تونس المعاصر بل و كانت لُبنة أولى في سقوط نظام المخلوع ومنظومته البوليسية، وهل ستستعيد قوى الثورة بمناسبة الذكرى العاشرة وعيها السياسي في ضرورة التصدي لعودة المنظومة القديمة بأشكال مختلفة عبر استلهام نصوص حركة 18 أكتوبر الفارقة والمجيدة؟

 

+ حركة 18 أكتوبر والفعل النضالي ضد الدولة البوليسية

تجسد بناء حركة 18 أكتوبر بتشكيل ما سمي بـــ”هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات”، وهي عمليا الإطار السياسي الذي شكلته عام 2005 عدة أحزاب وشخصيات تونسية معارضة  للنظام حيث تم تأسيس الهيئة في 24 ديسمبر 2005 وقد أخذت الهيئة اسمها من 18 أكتوبر 2005 تاريخ بداية إضراب الجوع  الذي شنه 8 معارضين من تيارات سياسية مختلفة قُبيل القمة المعلوماتية التي نظمتها تونس، وقد تشكلت من الأحزاب التالية: “الحزب الديمقراطي التقدمي” و”التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات” و”حركة النهضة” و”المؤتمر من أجل الجمهورية “و”حزب العمال الشيوعي التونسي” و”الوحدويون الناصريون” إضافة لعدة مستقلين،  وقد انتقدت الهيئة في بيانها التأسيسي الوضع العام في البلاد ودعت إلى “بلورة عهد ديمقراطي يكفل لكل المواطنين والمواطنات المساواة والحريات والحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف أو الاستنقاص ويشكل قاعدة للمشاركة السياسية والتداول على الحكم على أساس تناظر وتنافس البرامج والرؤى وهو عهد من شأنه أن يرتقي بمستوى وحدة العمل إلى إرساء أُسس التغيير الديمقراطي”، كما أنشأت الهيئة داخلها “منتدى 18 أكتوبر للحوار” للبت في المواضيع الخلافية خصوصا بين العلمانيين والإسلاميين كما أدّت النقاشات إلى إصدار سلسلة من الإعلانات “في العلاقة بين الدولة والدين” و”حول حرية الضمير والمعتقد” و”حول حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين” ، وعمليا لم ترتقِ الهيئة يومها لتصبح جبهة معارضة لنظام بن علي إلا أنها شكلت تجربة للعمل السياسي المنسّق ومخبرا للحوار بين القوى السياسية المختلفة.

 

+ من فكك حركة 18 أكتوبر؟

 

لم يستطع نظام بن علي أن يفكك في البداية تحالف 18 أكتوبر بل أن هذا التحالف يومها كان مصدر رُعبه و ارتباكه الذي أدى في الأخير لانهياره الطبيعي و التام باعتبار أن تشكيل التحالف كان مُقدمة موضوعية لنهاية النظام، ولكنه عمل بداية من 2008 على تفكيك بُنى حركة 18 أكتوبر السياسية والتنظيمية حتى داخل كل حزب عبر منطق الترغيب والترهيب والاختراق والاحتواء ، ولكن ولطبيعة أن الحصون لا تفكك إلا من الداخل فان عدد من مكونات التحالف أغرتها أجندات انتخابات   2009  الرئاسية فأصبحت خيارات القوى السياسية مشتتة ومضطربة نتاج خيارات احمد نجيب الشابي الزعاماتية يومها ونتاج مواقف حزب العمال والناصريين من عدد من القضايا، وأيضا نتاج  توجهات بعض قيادات الإسلاميين الإصلاحية، إضافة إلى تضارب المواقف من التطورات الإقليمية والدولية وبالتالي انتهت حركة 18 أكتوبر كتحالف سياسي ولإسقاط النظام وبقيت روحها دافعا رئيسيا في أحداث الحوض المنجمي وما تلاها من أحداث وخاصة أيام ثورة الحرية والكرامة، ولكن تشتت مواقفها و أطرافها سيكون عاملا حاسما في عدم قدرتها على التحالف بعد الثورة مما سيسمح للثورة المضادة بتغييب روحها التحالفية وترك الثورة فريسة لها وللإعلام النوفمبري الذي عمل على ترذيلها وسط دهشة وبهتة مكونات حركة 18 أكتوبر…

 

+ لماذا أغفلت أحزاب الثورة مقولات 18 أكتوبر؟

 

عمليا، ومنذ عشية الثورة التونسية تغيرت الأجندات السياسية لمكونات حركة 18 أكتوبر بشكل نهائي وقطعي بعد تفكيكها كما أسلفنا في محطة انتخابات 2009، فقد تم عمليا استحضار المقولات الإيديولوجية و أصبح الجميع أصوليون في الاستناد إلى أدبياتهم القديمة والتاريخية، وحضر الصراع الفكري بشكل غير مسبوق وتم استحضار التجاذبات الطلابية لعقدي سبعينات و ثمانينات القرن الماضي، بل أن نقاشات 9 افريل و منوبة والحقوق بين الطلاب اليساريين والإسلاميين تم إعادة استحضار أبجدياتها في بلاتوات وبرامج القنوات التلفزية الجديدة، وما لم ينته له سياسيونا الجُدد أن الثورة المضادة وبعيدا عن الأعين كانت تخطط وتسعى لإرباك الساحة السياسية وبث التفرقة بين معارضي الأمس و إغراق الساحة بالأحزاب السياسية الصورية و الجديدة من أجل أجندات وأهداف لاحقة، وعمليا شكلت المكونات اليسارية ما سمي بــ”جبهة 14 جانفي” والتي ورثتها لاحقا الجبهة الشعبية و سقط العقل السياسي للإسلاميين في قراءات غير واقعية لطبيعة التطورات الدراماتيكية في المنطقة، و تم تشكيل أكثر من جبهة للأحزاب القومية العربية رغم تلاشيها لاحقا وزادت نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011، الوضع تعقيدا نتاج طبيعة النخبة وقراءاتها الحالمة للواقع الوطني والإقليمي وكل ذلك كان نتاجا طبيعيا وابنا بكرا لبنيتها السياسية والتنظيمية الهشة والمستلهمة من طبيعة النظام السياسي التونسي في ستينات القرن الماضي، أي عمليا توخي منطق الإقصاء ونبذ الآخر الفكري والسياسي إضافة إلى عوامل الزعامتية و الزبونية حتى داخل التنظيم السياسي الواحد فعرفت الأحزاب الانقسامات والتشرذم والعمل على تدجين الجمعيات والمنظمات المهنية و الطلابية، مما أوجد عمليا مناخا مناسبا لضرب الاستقرار السياسي و إعاقة تحقيق أهداف الثورة واستكمال مهامها، بل لأن الأزمة بلغت ذروتها وقدرة أطراف داخلية وإقليمية ودولية على توظيف ذلك لصالحها وضد تونس وثورتها وخاصة بعد اغتيال المرحوم بلعيد في مرحلة أولى و إغتيال المرحوم البراهمي في مرحلة ثانية، ورغم ذلك لم ينتبه حلفاء الأمس في هيئة 18 أكتوبر أنهم سيكونون مشروع ضحايا كل من موقعه لأساطين الدولة العميقة والثورة المضادة عبر خارطة طريقة كاملة لوأد الثورة وتطلعات الشعب التونسي لولا الحوار الوطني ومساعي الرباعي الراعي للحوار والإتيان بحكومة جمعة التي أوجدت مناخا مؤقتا للانفراج لا غير، وهو ما جسدته أجندا الأطراف السياسية إبان الانتخابات الأخيرة بشقيها الرئاسي والتشريعي حيث تبنت أطراف منطق قطع الطريق وتشويه الآخر والعمل على تغييبه، واشتراط مكونات سياسية الاستئصال للمشاركة في الحكومة الجديدة  أو حتى في تركيبة المعارضة لاحقا….

 

+ هل تكون الذكرى العاشرة مناسبة لاستلهام روح 18 أكتوبر من جديد؟

القارئ للوضع السياسي اليوم وتحديدا عشية الذكرى العاشرة وقبل أسابيع من الذكرى الخامسة للثورة التونسية، يقف أمام روح يسودها التشاؤم والتفاؤل في نفس الوقت:

  • بتفاؤل، على اعتبار أننا تحررنا رغم الغيوم، وعلى اعتبار أننا لا يمكن أن نعود للوراء وعلى اعتبار أننا كنا ولم نعد ولن نعود تحت سلطة دولة بوليسية قمعية استعملت توظيف الإرث النضالي للتونسيين من اجل التحرر والتطلع لبناء مجتمع سليم وقادر على الـأثير في عالم متطور ومتغير، حيث أن “دولة الاستقلال” أقصت وقمعت وبنت منظومة مغلقة لم تستفد من الأدبيات السياسية لرجال الإصلاح وبالتالي قطعت الطريق على التونسيين في الحرية والتحرر والبناء رغم انجازات عدة بقيت بطيعتها هشة في قطاعات الصحة والتعليم والبنية الأساسية، بل أن بعض تلك الانجازات لم تُغادر نحو ثلثي تونس…
  • بتشاؤم لطبيعة ارتهان اغلب النخب لأجندات “سياسوية”، أي أن المجتمع والدولة لا يزالان يخضعان لأساطين الثورة المضادة والمال الفاسد الذي تتحكم فيه الدولة العميقة والتي لا زالت عمليا تتحكم في عدد من خيوط اللعبة الإقتصلدية والسياسية بل والثقافية أيضا، كما أن ملامح مُربعات 1955 و 1986 و 2010، مازالت قائمة وقادرة على التمدد في محاولة منها لوأد الثورة واعتبارها مُجرد مُنعرج أو قوس تعمل أساطيلها البشرية الموظفة على غلقه موظفة بُنى الإعلام “النوفمبري” التي لم تسقط بعد نتاج طبيعتها وتكوينها ونتاج سيل المال الغارقة فيه إلى درجة الوحل…

 

وبالتالي، و وبناء على الاستثناء السياسي التونسي عربيا وإقليميا، وبناء على تقييمات جدية أجرتها عدد من الأحزاب والمنظمات للحوار الوطني وطبيعة المتغيرات الإقليمية والدولية فانه لابد من استلهام روح حركة 18 أكتوبر من حيث القبول بالآخر السياسي والفكري والثقافي ومن حيث ضرورة مواصلة خوض النقاشات والرجوع إلى مكنُونات الوثائق المُصادق عليها من طرف مكونات هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات في سنوات الجمر، حتى يُمكن فعليا بناء نسق عيش مشترك بين كل التونسيين بدون استثناء حتى يسعد الناس كل الناس والأرض التونسية كل الأرض التونسية، بكل مكوناتها السياسية والنقابية والثقافية وحتى يمكن فعليا بناء دولة الشعب بعد أن ظلت دولة الاستقلال طوال عقود ست تعمل على بناء و إعداد “شعب الدولة” عبر نموذج تنموي فاسد وفاشل ضمن بنى سياسية اقصائية وقمعية ….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق