تحاليلتونس

أي مُستقبل لأحزاب يمين الوسط في تونس؟[2]

 

علي عبد اللطيف اللافي

أي من الأحزاب التونسية الناشطة والمؤثرة (حوالي 30 حزبا له أنشطة إعلامية وتنظيمية من أصل 204 حزبا مُقننا وفقا للمرسوم عدد 87 لسنة 2011) يمكن القول أنها فعليا من أحزاب يمين الوسط وأي من تلك الأحزاب  توجد حاليا في التآلف الحاكم ضمن حكومة الإتلاف الرباعي (أي حكومة التعايش الوطني)؟، وما هو مستقبل هذه الأحزاب؟

+ ماذا نعني تحديدا بأحزاب “يمين الوسط”؟

يعرف الجميع أن تصنيفات “اليمين” و”اليسار” و”الوسط” تعود سياسيا إلى سنة 1789 حيث إجتمع أعضاء “المجلس الوطني الفرنسي” لمُناقشة مستقبل البلاد أثناء الثورة الفرنسية  و الذي حدث يومها أنَه مع مرور الوقت جلس مُؤيدي بقاء الملك بكامل سلطاته (المحافظين) على يمين رئيس المجلس، بينما جلس مؤيدو تقليص سلطات الملك على يساره، و من هناك بدأت فكرة أن كُل يُريد المحافظة على تقاليد المجتمع المعروفة هو محافظ/يميني…، وتمَ التعارف في العلوم السياسية وفي رحاب السياسية و الإعلام في كل دول العالم أن “اليمين” مُرتبط بالحرية الاقتصادية وحرية الملكية و العمل التجاري و الضرائب الأقل، حيث تعتقد أحزاب اليمين أن ذلك أنسب طريقة لتحقيق النمو السريع للثروات في المجتمع و توزيعها بصورة غير تعسفية..

بل وتم التعارف أنهُ كلما كان المرء من الناحية السياسية مع تقليص الحريات و الحفاظ على القيم التقليدية للمجتمع و وجود حكومة قوية واسعة السلطات، فهو بالضرورة يميني وإذا ما كان مع ذلك قليلا فيصيرُ من “يمين الوسط”…، وأما من الناحية الاقتصادية، فإذا كان المرء مع الحرية الاقتصادية الأوسع و الضرائب و الرقابة الأقل، فهو يميني، و اقل من ذلك فيصير من “يمين الوسط”.

و عمليا إذا قال سياسي أنه “يميني” فلا يعني ذلك انه بالضرورة مع قيام “دولة دينية” أو مع الحرية القُصوى للتجارة، ولكن عمليا هو متموقع على يمين الطيف السياسي ا/و الاقتصادي بصفة عامة، و الافتراض عادة أن الشخص الذي يُدعي نفسه يمينيا أو يساريا هو بقصد بالأساس يمين-وسط أو يسار-وسط إلا لو أوضح غير ذلك مع أنه إذا قال انه يساري أو يميني بصورة مطلقة، فعادة يكون الحديث عن فكره الاقتصادي…

+ فسيفساء أحزاب يمين الوسط

  • حزب آفاق تونس: وهو الحزب الذي تأسس بعد الثورة وتحديدا سنة 2011 من طرف عدد من مثقفي اليمين الليبرالي و أساسا من جمعية “آتيج” ( الدارسين في المدارس الفرنسية العليا)، يقوده حاليا الوزير الحالي للاستثمار والتعاون الدولي أي السيد ياسين ابراهيم، وهو حزب له 8 مقاعد في مجلس نواب الشعب الحالي ( بينما كان له 4 نواب فقط في المجلس الوطني التأسيسي)، يعرف الحزب بقدراته المالية وقدرته على تأطير النخب الشبابية الليبرالية وله مواقف سياسية براغماتية ومتوازنة ( العلاقة مع التيار الإسلامي – فهم التطورات الإقليمية والدولية والحراك الاجتماعي …) ، وللحزب مستقبل واعد و كبير وقادر أن يكون من بين الأحزاب الثلاث الأولى في أفق نهاية العشرية الحالية بل أنه مرشح أن يفتك قطاعات واسعة و عديدة من حزب نداء تونس خاصة إذا ما تواصلت الخلافات والصراعات داخل هياكل النداء بالطريقة الحالية، كما لحزب آفاق تونس القدرة على الشراكة مع حركة النهضة والصراع السياسي معها على قاعدة التداول السلمي على السلطة ضمن ثُنائية سياسية وديمقراطية في خدمة المشروع الوطني في ظل التقلبات الإقليمية والدولية الراهنة…
  • الاتحاد الوطني الحر: هو حزب ليبرالي يقوده رجل الأعمال سليم الرياحي يتطور وجوده في الساحة السياسة بين يمين الوسط وأقصى اليمين، و يتهمه خصومه بأنه أقرب للمؤسسة و الشركة منه للحزب السياسي، وهو يضم يضم يساريين سابقيم وقوميين عرب غادروا أحزابهم وليبراليين سابقين و بعض الكوادر الوسطى السابقة للتجمع المنحل و لبعض أعضائه تجارب سياسية في أحزاب الوسط واليمين واليسار، وقد استفاد الحزب من خيبته في انتخابات 2011 وضم وجوه جديدة على غرار ماهر بن ضياء والأستاذ الطاهر فضيل وقيادات شابة قادرة على إعطاء الحزب بُعده الليبرالي واليميني ما يسمحه له بالتموقع السياسي خاصة بعد حصوله على 16 مقعدا بمجلس نواب الشعب، بإمكان الحزب التطور خاصة إذا ما أحسن استقطاب بعض النخب الليبرالية الجديدة والتحول إلى حزب سياسي ذو أطروحات تؤطر القادمين الجدد للحزب ويبقى ذلك مرتبطا بالاستقرار السياسي للقيادة المركزية والتي  حط بها وغادرها أكثر من وجه سياسي معروف ( خالد شوكات – القديدي ….).
  • حزب الأمان: وهو في البداية نتاج عملية توحيد لثلاث أحزاب وسطية منتمية ليمين الوسط و تأسست مباشرة بعد الثورة ( التحالف الوطني للسلم والنماء بقيادة إسكندر الرقيق – حزب الأمانة بقيادة الاستاذ فتحي العيوني – حزب صوت الكرامة)، و استطاع الحزب بقيادة رجل الأعمال لزهر بالي أن يكون له حضور محترم في الساحة السياسية خاصة بعد انضمام رجال أعمال و مهندسين وطلبة ومحامين، ولكن نتائج الحزب في التشريعية أربكت الحزب مما اضطره إلى إجراء تقييمات لخطه السياسي والبحث عن خوض تحالفات مع مكونات التيار الديمقراطي الاجتماعي ووضع إستراتيجية جديدة لمساره السياسي…
  • حزب الإصلاح والتنمية: وهو حزب تم حله عمليا منذ أشهر وقاده الأستاذ محمد القوماني وعدد من المناضلين السياسيين ( بعضهم يعتبر من المتأثرين برواد التيار الإسلامي التقدمي والذي ظهر نهاية سبعينات القرن الماضي)، و رغم مواقف الحزب و رؤيته السياسية الوسطية والمعتدلة فانه لم يستطع كسب أنصار جُدد، ولم يحصل الحزب على أي مقعد في مجلس نواب الشعب و قد خاض قبل قرار حله ، نقاشات مع مكونات سياسية لتأسيس قطب سياسي قادر على التموقع في مشهد سياسي متقلب ومفتوح على كل الخيارات…
  • حركة البناء المغاربي: وهو حزب صغير تم تأسيسه سنة 2012 بعد خلاف مع حزب ذو توجه مغاربي قاده يومها الاستاذ محمد النوري، يقوده حاليا الناشط والحقوقي نورالدين الختروشي و للحزب رؤية سياسية لتونس ومحيطها المغاربي ورغم عدم الحصول على أي مقعد نيابي فان قراءاته لتطور الأحداث تجعل مستقبله السياسي واعدا إذا ما أحسن خيارات التحالف في الساحة والمشهد السياسي الجديد المترتب عن نتائج إنتخابات 26 أكتوبر 2014
  • أحزاب أخرى: من بين حوالي 200 حزب مقنن في تونس حاليا يوجد العديد من الأحزاب والتنظيمات ذات التوجه الليبرالي والتي يمكن تصنيفها كأحزاب منتمية ليمين الوسط، وهي أحزاب لم تستطع أن تكتسب حضورا شعبيا وبقيت مقولاتها نخبوية كما تم تهميشها إعلاميا كما لم تتمكن كأحزاب من القيام بأنشطة تجلب لها أنظار الرأي العام السياسي، وهي أحزاب بقيت تبحث عن إطار تحالفي في وضع سياسي ساده الاستقطاب بين حزبي نداء تونس وحركة النهضة، ومن بين اأحزاب يمين الوسط غير سالفة الذكر أعله نجد:
  • حزب البناء الوطني: ويقوده القيادي السابق بحركة النهضة رياض الشعيبي، وهو حزب صغير و لم يحصل الحزب على أي مقعد نيابي ولكنه استطاع إستقطاب مجموعة شبابية كما استطاع خوض نقاشات تجارب تحالفية مع مكونات سياسية جديدة على غرار الحركة الوطنية للعدالة والتنمية، وهو أقرب حاليا لحراك شعب المواطنين بل ويعتبر شريك أساسي فيه …
  • حزب الثقافة والعمل: حزب تم حله ايضا منذ اشهر قليلة وقد قاده الأستاذ بلقاسم حسن وهو حزب أسسه بعض المربين والمناضلين حتى اليساريين منهم نعلى غرار القيادي البعثي في بداية السبعينات الدكتور الحفناوي عمايرية
  • حزب المجد: وهو حزب قاده الحقوقي السابق عبد الوهاب الهاني وقد يعوضه شقيقه محمد الناصر الهاني بعد تعيين الأول محلقا بالمنظمة الأممية في لجنة مقاومة التعذيب، و هو حزب بقي أقرب لحزب أشخاص حيث تم تغيير مكتبه السياسي أكثر من مرة…
  • الحزب الليبرالي المغاربي: وهو حزب يقوده البصيري بوعبدلي صاحب مؤسسة بوعبدلي للتعليم الخاص، و وهو حزب بقي نخبويا ولم يدخل في أي تحالفات تذكر…

+ حزبي “النهضة” و”نداء تونس” وعلاقتهما بيمين الوسط؟

يختلف العديد من المُتابعين في تحديد الهوية السياسية لحزبي نداء تونس وحركة النهضة فالأول  و رغم أنه يضم مكونات يسارية ( قياديين سابقين  لخلايا الحزب الشيوعي – رموز من فصائل الأوطاد – تجمعيين ودستوريين سابقين ) فانه يصنف على أنه أقصى اليمين الليبرالي خاصة وان بعض فصائل الجبهة الشعبية ( 6 فصائل) قد غادرت الجبهة بناء على تحالفها مع نداء تونس وقالت عنا بأنها تحولت إلى حديقة خلفية لليمين الليبرالي، ولكن من الواضح أن نداء تونس تطور وسيتطور  في ظل صراعاته الحالية ليكون أقرب ليمن الوسط وبسبب أن اليساريين لا يتجاوز وجودهم الفعلي في الهياكل المركزية ( 6 من أصل 12 في الهيأة التأسيسية) في انتظار المؤتمر التأسيسي للحزب المنتظر عقده في الصائفة القادمة…

أما حركة النهضة فهي قد تبنت من حيث خطاب قيادتها التاريخية، الخطاب الوسطي وتجسد ذلك في خياراتها السياسية من حيث طبيعة تلك الخيارات بالتوجه الإصلاحي الأقرب للتروتسكية فعليا، على أن الحركة من المنتظر أن تحسم في توجهاتها السياسية بعد فصل الدعوي عن السياسي في مؤتمر جوان المقبل وهو المؤتمر الذي سيرسخ فكرة حزب إسلامي وسطي اقرب ليمين الوسط منه لأقصى اليمين أو ليسار الوسط…

+ أي مستقبل لأحزاب يمين الوسط؟

واقعا يمكن القول أن حكومة الحبيب الصيد الحالية هي حكومة تعايش وطني أكثر منها حكومة وحدة وطنية بالمفهوم السياسي، وهي حكومة مرتكزة على تحالف لأحزاب يمين الوسط من حيث توجهاتها الاقتصادية ومن حيث رؤيتها للعلاقات الدولية ومع المؤسسات المالية العالمية ومن حيث خياراتها الثقافية والاجتماعية، ولكن مستقبل الحكومة مرهون بالتطورات الإقليمية في المنطقة وهو ما ستكون ترتباته على الأحزاب المكونة للتحالف الحكومي و لبقية أحزاب يمن الوسط:

  • سيتطور الوجود التنظيمي لحركة النهضة من حيث القدرة على مزيد الاستقطاب لقطاعات شعبية واسعة وستتجه الحركة في اتجاه الفصل بين الثقافي والدعوي ونحو حسم عدد من الخيارات السياسية والاتجاه نحو بناء مُكون سياسي وريث للنهضة و يكُون قادرا على الاستفادة من طبيعة البراغماتية السياسية للقيادات السياسية من الجيل الثاني..
  • سيبقى مستقبل نداء تونس مرتبطا بالتطورات الإقليمية الراهنة ومدى نجاح “آفاق تونس” و”الاتحاد الوطني الحر” و”حراك شعب المواطنين” و حزب “الأمان” في استقطاب قطاعات واسعة صوتت لنداء تونس لأسباب عديدة ومتنوعة في الانتخابات السابقة، وفي أحسن الحالات سيتخلص الحزب من الزوائد المحيطة به وحتى من بعض المؤسسين، ولكنه في كل الحالات سيترسخ التوجه اليمين للحزب وسيكون أقرب للوسط منه إلى أقصى اليمن…
  • سيبقى الاتحاد الوطني الحر رقما في الحياة السياسية التونسية في أفق الخمس السنوات القادمة ولكن يبقى مستقبله مرتبطا بالقدرة على التحول إلى حزب مستقل عن المؤثرات المالية لشركات ومشاريع مؤسسه وشركائه في الداخل والخارج…
  • أمام “آفاق تونس” و”حزب الآمان” مساحات كبيرة للتموقع والفعل و الريادة لو تم قراءة الساحة جيدا وتم بناء استرايجية متكاملة وواقعية و براغماتية في بناء حزب قادر على المساهمة في المشروع الوطني التونسي الذي تأسس من أجله الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1919…

[1]   نُشر المقال في نسخته الأولى بموقع عين على تونس بتاريخ 18 فيفري 2015 ونشرته  جريدة الفجر الأسبوعية التونسية في عددها الصادر بتاريخ 19 فيفري 2015  ….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق