تونسدراسات

التيارات السياسية في الجامعة: التطور التاريخي والعلاقة مع الأحزاب والتنظيمات السياسية 

 

 علي عبد اللطيف اللافي

 

بينت انتخابات المجلس العلمية السنة الماضية أن الساحة الجامعية مازالت تتفاعل بناء على التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية و تتفاعل أيضا بناء على المتغيَرات الإقليمية والدولية المؤثرة بدورها في البُنى الفكرية والتنظيمية للأحزاب والعائلات السياسية، كما بينت التطورات والدراسات التاريخية  للحركة الطلابية  التونسية خصوصية الساحة الجامعية والتي تخضع في تفاعلاتها مع تلك التطورات مع الحفاظ على خصوصيات الحراك الطلابي في تونس منذ سبعينات القرن الماضي نتاج الصراع الفكري والسياسي بين مختلف التيارات السياسية في الساحة الجامعية…

ولكن ما هي عمليا أهم التيارات السياسية الناشطة في الجامعة التونسية ماضيا وحاضرا وكيف تطور مسارها التاريخي وما هو واقعها اليوم،  وما هي أوجه الاختلاف بينها في قراءة الواقع الطلابي والسياسي والاجتماعي في تونس ما بعد الثورة؟

+ الطلبة الدستوريون: مسار تاريخي مُتقلب ووضع راهن مُتسم بالغموض

منذ تأسيس “الحزب الحر الدستوري التونسي” بقيادة الشيخ عبد العزيز الثعالبي، انتمى للحزب أغلب الطلاب الدارسين في المشرق وفي فرنسا وفي كل البلدان الأوروبية يومذاك، بل وكانوا الفاعلين الرئيسيين في تأسيس الفروع والدعوة للحزب ونشر أفكاره ومطالبه على غرار فرحات بن عياد الذي قاد انشقاقا داخله تحت مسمى “الحزب الدستوري المستقل” ثم عاد عن ذلك وانضم لقيادة الحزب من جديد، وبحدوث انشقاق في الحزب بقيادة مجموعة “العمل التونسي” ( الماطري – بن يوسف – بورقيبة ورفاقهم) في 02 مارس 1934 استطاع الحزب الدستوري الجديد استيعاب أنصار الحزب من الطلاب بل وتـأسيس فروع طلابية في مختلف الجامعات الأوربية المتواجدين بها ومنافسة الحزب الشيوعي التونسي في استقطابهم بينما بقي الحزب القديم نخبويا بالأساس وهو ما أدى في الأخير إلى غيابه الكلي…

و رغم التجاذب الحاصل مع منظمة “صوت الطالب الزيتوني” حول عدد من القضايا الثقافية والسياسية فقد أسس “الطلبة الدستوريون” رفقة بقية التيارات منظمة طلابية تحت مُسمى “الاتحاد العام لطلبة تونس” في رحاب الجامعات الفرنسية بالذات بداية من سنة 1952 ثم أحكم الدساترة سيطرتهم على المنظمة إلى سنة 1971 في مؤتمر قربة المُثير للجدل والذي اضطر فيه الحزب الحاكم للقيام بانقلاب على نتائج المؤتمر بعد خيبتهم الانتخابية فيه،  وبالتوازي مع ذلك  بعث الحزب الحاكم منظمة للطلبة الدستوريون سُميت باسم “الطلبة الاشتراكيون الدستوريون” والتي كانت تنظيما سياسيا طلابيا خاصا بهم إضافة إلى تواجدهم في المنظمة الطلابية الوحيدة أنذاك والتي واصلوا عقد مؤتمرات لها إلى سنة 1988 تاريخ عقد المؤتمر 18 الخارق للعادة على اعتبار أن مؤتمر قربة سنة 1971 لم يتم أشغاله، وقد ترأس التنظيم الطلابي سنة 1974 مثلا رئيس حزب المبادرة الوطنية الدستورية الحالي كمال مرجان في ما كان من قياداتها مثلا الإعلامي لاحقا عبد العزيز الجريدي…

وفي عهد الرئيس المخلوع تم تغيير التنظيم الحزبي إلى اسم “منظمة طلبة التجمع” والذي أسندت رئاستها إلى محمد الغرياني القادم من إحدى التنظيمات البعثية، و الذي أصبح لاحقا الأمين العام للحزب الحكام (التجمع) في ما ترأسها من بعده العديدون ومنهم حسونة الناصفي ( نائب نداء تونس حاليا عن جهة قابس)  بينما كان آخر من تولى رئاستها الطالب إحسان الوكيل، ويعرف جميع الطلبة و الرأي العام أن من أبرز مهام التنظيم الحزبي في عهدي بورقيبة و المخلوع كانت أمنية بالأساس ( كتابة التقارير في زملائهم الطلاب وهو مثال للذكر لا للحصر)، وهو ما أدى بتنظيمات سياسية معارضة إلى رفع شعار ” القطيعة التنظيمية والسياسية مع الدساترة”…

وقد حاولت الأحزاب الدستورية بعد الثورة تأسيس فروع حزبية طلابية ولكنها لم تنجح في ذلك في ما استطاعت الحركة الدستورية مثلا استقطاب أغلب القيادات السابقة للمنظمة الشبابية للتجمع ( حاتم العماري مثال للذكر لا للحصر)، في ما انتمت قيادات أخرى لنداء تونس والذي نجح بشكل نسبي في بعث منظمة شبابية ندائية رغم عدم قدرته على استقطاب قطاعات طلابية إلى صفوفه وهو ما توضح في انتخابات المجلس العلمية الأخيرة…

ومن غير الوارد أن يستطيع النداء في ظل الصراعات والخلافات التي تشقه اليوم أن يكون قادرا على تأسيس تنظيم طلابي متماسك وقادر على التواجد في أغلب الكليات والمعاهد العليا في ما يبقى تواجد بقية الأحزاب الدستورية رهينا بوضعها السياسي خارج الجامعة وبوضع الدستوريين داخل نداء تونس …

+ التيارات اليسارية: الإنقسامات على قاعدة الإيديولوجي والتفتت و التجاذب حول علاقة النقابي بالسياسي

استطاع الحزب  الشيوعي خاصة بعد تونسته سنة 1937 استقطاب العديد من الطلاب في هياكله التنظيمية ولكن مع ظهور تنظيمات يسارية أخرى انظم العديد من الطلبة اليساريين لمنظمة “كفاح” التروتسكية مثلا بعد انتقادهم لتاريخ الحزب ومواقفه السابقة ( اعتباره الحركة اليوسفية حركة فاشستية واصطفافه مع بورقيبة)، وبظهور تنظيمات اليسار الجديد اجتذبت الطلبة اليساريين والذين كانوا من مؤسسي “بريسبكتيف” سواء في فرنسا أو في مؤتمر مدينة الشراحيل ( زرمدين – المنستير ) في صائفة 1963 بل و استطاع الطلاب اليساريين تأثيث نشرية “آفاق” ثم  لاحقا تأثيث نشرية “العامل التونسي”، وهو ما مكنهم من السيطرة على هياكل “الاتحاد العام لطلبة تونس” في بداية السبعينات رغم انقلاب الحزب الحاكم سنة 1971 كما أسلفنا شرحه سابقا، وبحدوث الخلافات داخل “برسبكيتف” على خلفية قراءة الوضع العربي وعلاقة تونس بالأمة العربية وطبيعة المجتمع التونسي ساهم العديد من الطلاب في قيادة وريث المنظمة أي “العامل التونسي” وكانوا الأغلبية في محاكمة 1974 المعروفة بمحاكمة الـــ202، وبحدوث الانقسامات بين خطوط العامل التونسي انتمى الطلاب في أغلبهم إلى شُقي الخط السائد(والذي كانت عناصره الطلابية النواة الأساسية المؤسسة لـــ”البوكت”) وخط المراجعون (الذين أسسوا لاحقا “التجمع الاشتراكي التقدمي” ثم ” الحزب الديمقراطي التقدمي” ثم “الجمهوري” حاليا) و سيطر هؤلاء على جزء كبير من الهياكل النقابية المؤقتة ( فيدراليات الاتحاد العام لطلبة تونس في مختلف الكليات الكبرى)…

كما انضم العديد من الطلاب في فرنسا وتونس إلى تنظيم الشعلة المُتأتي من مجموعتي “الجي آمي آل تي” أو “جي آم تي”  ولكن ونتاجا للموقف من الماوية و نتاجا لما حدث في التنظيمات الماركسية الفلسطينية وإسقاطات ذلك على التنظيم في تونس ظهرت مجموعات “الأوطاد” والتي اختفت لاحقا ليبقى منها فصيلي “الوطد” و”الوطج” (تنظيم من قادته المرحوم شكري بلعيد وأمين عام نداء تونس حاليا محسن مرزوق والذي صرع منذ اشهر أنه لم يعد يساريا منذ سنة 1991)، والذين ظهروا في منتصف السبعينات واستطاعوا البروز في الساحة الجامعية مع نهاية السبعينات وبداية الثمانيات ودخلوا في صراع مع التنظيم الطلابي للعامل التونسي (أي “النقابيون الثوريون”) والذي تشتت ولائه بين تنظيم العامل التونسي الرسمي وبين حزب نجيب الشابي أنذاك “التجمع الاشتراكي التقدمي”….

وبتأسيس “حزب العمال الشيوعي التونسي” بقيادة حمة الهمامي و محمد الكيلاني ورفاقهم، أسس رفاقهم من الطلاب في نفس السنة أيضا تنظيما شبابيا تحت مسمى “اتحاد الشباب الشيوعي التونسي” والذي استطاع استقطاب وتسيير التنظيم الطلابي “النقابيون الثوريون” والذين صارعوا الوطج في الساحة الجامعية بعد المؤتمر 18 للمنظمة الطلابية وتواصل الصراع والتجاذب بين التيارين السياسيين الطلابيين حتى المؤتمر 21…

ومع بداية ملاحقة قيادة حزب العمال في منتصف التسعينات حدثت داخله صراعات بين قياداته الثلاث أي حمة والكيلاني و المرحوم الطاهر قرقورة (الرجل الأول في التنظيم الشبابي للحزب) والذي أسس لاحقا تيار “النقابيون الراديكاليون” والمعروف باسم “النقرود” في ما أسس طلبة الكيلاني ما يعرف بــــ”الكتلة” وانضم إليه الأمين العام للمنظمة عاصف اليحياوي و أصبحت المنظمة الطلابية في تجاذب بين المكونات الثلاث وخاصة في ظل اختفاء شبه كلي للـ”وطد” و “الوطج” و البعثيين والماركسيين الثوريين (طلبة التنظيم التروتسكي في تونس)  وبقية الفصائل والتي اختفت بخروج زعمائها من الساحة الجامعية، رغم ظهور بعضها  من جديد في وقت لاحق…

وعرفت هذه التنظيمات عودة للساحة مع بداية الألفية ولكن عادت التجاذبات بينها حول العلاقة بين النقابي والسياسي وأصبحت الانقسامات خُبزا يوميا وطالت حتى تنظيم “النقرود” خاصة بعد وفاة المؤسس الطاهر قرقورة وعودة طلبة حزب العمال للساحة الجامعية ودخول الطلبة القوميين على الخط في قيادة المنظمة وظهور تيار المستقلين ( بيان أيوب الغدامسي مثالا لا حصرا)  وبعد الثورة  ظهرت التجاذبات من جديد وبشكل قوي و انعكست على المنظمة الطلابية حتى أدى إلى انعقاد مؤتمرين أنتجتا قياديتين طلابيتين لها حتى أن أحد المؤتمرات سمي بمؤتمر “الشُقة” وتفرقت التيارات السياسية في دعم كل منهما وتواصل الصراع بين “النقرود” و نظرائهم في حزب العمال أي بين قيادتي “أماني ساسي” و “وائل نوار” بل وتم اتهام الإسلاميين بالدخول على خط دعم طرف ضد آخر….

+ القوميون : التعدد والتفاعل والتشتت في ظل واقع تطورات الوضع العربي

مع ظهور الخلاف اليوسفي البورقيبي انضم العديد من الطلبة للحركة البوسفية وناصروها خاصة وأنها استطاعت كسب العديد من الطلاب الدارسين في المشرق العربي وفي مصر تحديدا…

  • الطلبة البعثيون: انتمى العديد من الطلبة التونسيين إلى حزب البعث بشقيه السوري والعراقي بل أن بعضهم أصبح قياديا في الحزب على غرار “محمد بلقاسم كرو” و”الصادق العبيدي” و انقسم التنظيم في تونس بين الشقين فناصر مسعود الشابي ورفاقه البعث العراقي و أصبح الشابي عضوا في القيادة القومية في ما ناصر محمد صالح الهرماسي ورفاقه الشُق السوري و أصبح الهرماسي يحضر مؤتمرات القيادة القومية في سوريا إلى حد الآن، وفي ما عرف البعث السوري بقربه من اليسار الماركسي والنشاط السري في بقية الأحزاب وعدم الميل إلى تأسيس تنظيم طلابي منفصل، أسس البعث العراقي تنظيمين طلابيين هما: “رابطات العمل الجماهيري” و”الطليعة الطلابية العربية” و هذه الأخيرة كانت مرتبطة بالعراقيين وساندها كل من فوزي السنوسي ومسعود الشابي والمرحوم الصادق الهيشري كما دعم تنظيم حركة البعث السري الطلبة البعثيين ماديا ومعنويا ولوجستيا مما مكنهم أن يكونوا طرفا فاعلا في المؤتمر 18 سنة 1988 رغم كونهم من مبتكري فكرة التأسيس التي تبناها الإسلاميون، ورغم الاختفاء القسري لمدة سنوات فقد عاد الطلبة البعثيون من بوابة تنظيم الطلبة القوميون مع سنة 2000 وبقوا طرفا فاعلا في الحراك الجامعي قبل وبعد الثورة…
  • الطلبة الناصريون والعصمتيون: ظهر العديد من الطلبة الناصريين في رحاب الجامعة التونسية بعد إعدام قادة محاولة 1962 وتم تأسيس تنظيمين ناصريين في بداية السبعينات وهما “حركة الوحدويون الأحرار” “الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس” وقد ساهم الطلاب التونسيين في أنشطة التنظيمين في ليبيا وفي تونس بشكل سري وأيضا شارك بعضهم في عملية قفصة في جانفي 1980 كما أسس بعضهم تنظيم “الاتحاد العام التونسي للشغل- تنظيم ليبيا” سنة 1985، وقد حاول أحد مناضلي الجبهة القومية تأسيس تنظيم “الطلبة الاشتراكيون”، كما تم في منتصف السبعينات تأسيس تنظيم “الطلبة العرب التقدميون الوحدويون” كتنظيم طلابي ناصري وعصمتي، و وهو تنظيم كان فاعلا ومؤثرا في إثارة القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية ورغم رفضه للعمل النقابي حتى متصف التسعينات فانه كان يتواجد بقوة في أغلب الكليات الكبرى…، وقد حاول عبد الرحمان التليلي استقطاب بعض قياداته وتـأسيس تنظيم طلابي تابع لحزبه “الاتحاد الديمقراطي الوحدوي” (والمؤسس سنة 1988 بعد خروجه من اللجنة المركزية للتجمع المنحل)، ولكنه لم يفلح في ذلك في ما انتمت إليه بعض العناصر لاحقا وبشكل فردي في نهاية التسعينات أو بعد  التحاق المحامي أحمد الأينوبلي بقيادة الحزب سنة 2004 باعتباره كان قياديا سابقا في التنظيم الطلابي الناصري…

كما تواجد “تنظيم طلبة اللجان الثورية” أي الذراع الطلابية لتنظيم اللجان الثورية و المعروف بـــ “مثابة تونس” وهو تنظيم تابع لنظام القذافي بشكل مباشر وقد حوكمت عناصره سنة 1993 وتم إطلاق سراحهم بعد أشهر ثلاث…

  • الطلبة القوميون: اختارت التنظيمات البعثية والناصرية منذ سنة 1994 الاختفاء من الساحة الجامعية نتاج الوضع السياسي والأمني داخل الساحة الجامعية، وقد عاد القوميون مع سنة 2000 تحت مُسمى “الطلبة القوميون” وضم التيار الناصريين و العصمتيين والبعثيين ونشطوا في فدراليات الاتحاد العام لطلبة تونس كما أصدروا بيانات عدة تهم القضايا العربية…

+ الخلاصة أن تواجد القوميين في الجامعة التونسية تعددت أشكاله وصيغه التنظيمية نتاج خلافات الأنظمة القومية ونتاج طبيعة المقولات الفكرية والسياسية ونتاج عوامل تاريخية متعددة ولكنهم اليوم رقم مهم في الساحة الجامعية رغم عجز الأحزاب القومية العربية في تأسيس حزب موحد بل والعجز في تأسيس جبهة سياسية وقطب سياسي بل وبقي القوميون في تونس موقع تجاذب بين الإسلاميين واليساريين وهو ما أفقدهم في الساحة الجامعية من حضور لدى الطلاب الجدد وبالتالي ضعف تواجدهم التنظيمي والشعبي وقلص من تأثيرهم الفكري والثقافي خاصة بعد تأسيس أحزاب قومية على يمين حركة الشعب الناصرية والتي غادرها العديد من قياداتها فقد تأسس “حزب الغد”(عمر الشاهد) و”التيار الشعبي” (زهير حمدي) وحركة المرابطون(البشير الصيد) وهو ما لا يشجع الطلبة في الانضمام لأي منها…

+ الإسلاميون: فاعلية تاريخية و تراجع في النشاط الثقافي والاجتماعي

مثل غلق جامع الزيتونة صدمة لكل التونسيين وخاصة للمنتصرين للثقافة الإسلامية وكان الغلق رافدا أساسيا لذوي الميولات الإسلامية من الانضمام للتيار الإسلامي الناشئ بناء على المكونات الثلاث الرئيسية والمؤسسة له ( المتأثرون بالإخوان – الإسلام التقليدي – بقايا الزواتنة) ، وبالتالي استطاع المؤسسون بناء تيار إسلامي و استقطبوا العديد من طلاب تونس في الجامعات الفرنسية (شورو – الدولاتي – بن سالم – الجبالي…) وبعض الدارسين في بلدان المشرق بل واستطاعوا إيجاد خلايا في الجامعات التونسية واستقطاب حتى بعض اليساريين والقوميين السابقين ( حبيب اللوز – العربي الزايري…) وتواجدوا في الساحة الجامعية بشكل سري منذ المؤتمر التأسيسي للجماعة الإسلامية في أفريل 1972، بل أن الحاضرين كانوا في أغلبهم طلابا يومها ثم أعلنوا تواجدهم الرسمي في الساحة الجامعية في ديسمبر 1977 عبر تجمع عام في كلية الحقوق معلنين تأسيس تنظيم طلابي تحت مسمى “الاتجاه الإسلامي” والذي كثف من أنشطته وأنجز دراسة “التأسيسي” ومر إلى درجة الفعل القصوى والاستقطاب اليومي وقدم قراءته للمسالتين النقابية والثقافية ورغم تصدي اليساريين له عبر أشكال عدة وتوزيع نص الديناميكية داخل تنظيماتهم و المرور إلى منطق الاستئصال الميداني عبر ما عرف بمجزرة منوبة 1982، فان التنظيم الإسلامي أحسن قراءة الساحة وقدم الميثاق الطلابي واستطاع مع تيارات سياسية ناشئة وصغيرة انجاز المؤتمر العام للحسم وتـأسيس منظمة بديلة وهي “الاتحاد العام التونسي للطلبة” واستطاع التنظيم الطلابي الـتأثير في قرارات قيادة الحركة الإسلامية وخاصة في البعد الثقافي وكان القيادة الطلابية حاضرة في كل مؤتمرات الحركة (منوبة – سوسة المنار- سليمان…)، و هو ما سهل لاحقا لها تعويض تنظيم الحركة كلما تم شله من طرف الأجهزة الأمنية، واستطاع التنظيم الطلابي من خلال نشرية “الحدث” الحائطية التأثير الإعلامي والثقافي وما مكنه من تفادي الانقسامات التي عرفتها بقية التيارات الطلابية رغم الانسحابات الفردية داخله، بل وتماسك التنظيم في مواجهتي 1987 و 1991 ورغم السجون والمنافي، استطاع التنظيم العودة عبر تفعيل تنظيم طلابي عرف باسم “الطلبة المستقلون” (بن سالم – المحضي- آخرين …) بعد محاولات محتشمة للعودة بداية من سنة 2000 ثم مع خروج قيادة النهضة استطاعت إيجاد خلايا للنشاط الطلابي توجت بعد الثورة بإعلان تنظيم عرف باسم “شباب النهضة بالجامعة” والذي ينوي عقد مؤتمره الثاني بعد أيام، وهو تنظيم يضم آلاف الطلبة المنتمين لنهضة وقد قاده الطالب وعضو المكتب التنفيذي للحركة “زياد بومخلاء” ثم قاده لاحقا والى الحد الآن الطالب هشام لعريض، و قد أصدر التنظيم مجلة تُعبر عن مواقفه وتوثق لأنشطته …

وتتوقف اليوم مُستقبل التنظيم الطلابي على مستقبل الوحدة التنظيمية للحركة و طبيعة خيارات المؤتمر القادم للحركة ورؤيتها الثقافية والفكرية ودور الشباب فيها …

  • طلبة حزب التحرير: اعتمد حزب التحرير منذ ظهوره في منتصف السبعينات بداية على شباب طلابي وأسس فرعا طُلابيا، وفي عديد المحطات كان طلبة الحزب في طليعة الموقوفين، ويعطي الحزب في أنشطته الحالية مساحات للفاعلين الطلابيين فيه وبعضهم يؤثث صفحات صحيفة “التحرير” الأسبوعية الناطقة باسم الحزب…

+ الليبراليون : عدم القُدرة على التشكل والفاعلية

لم تعرف الساحة الجامعية أي تيار طلابي ليبرالي باستثناء مجوعة طلابية التحقت بالتيار الليبرالي المنسحب من الحزب الدستوري الحاكم يومها، ولم تسمح الصراعات في الساحة الجامعية من تشكل تيار طلابي ليبرالي ولم يستهو الفكر الليبرالي الغربي الطلاب التونسيين نتاج طبيعة دولة الاستقلال ونتاج غياب حزب ليبرالي ، فرغم الطابع الليبرالي للحزب الدستوري في فترة الثعالبي فان حقبة بورقيبة عرفت بتواجد الليبرالية مصحوبة بغياب الليبراليين خاصة بعد تبني “الاشتراكية الدستورية” في مؤتمر المصير ببنزرت سنة 1964، وحتى التيار الليبرالي داخل الحزب أسمى نفسه “حركة الديمقراطيين الاشتراكيين” واختار التموقع في وسط اليسار بدلا من يمين الوسط أو وسط اليمين…

أما في عهد المخلوع فقد تم صنع حزب ليبرالي في مخابر الاستبداد عبر إخراج منير الباجي من اللجنة المركزية للحزب الحاكم والملتحق بها حديثا يومها ليؤسس حزبا ليبراليا سرعان ما تم اختراقه لاحقا من طرف “منذر بلحاج علي” و التروتسكي “المنذر ثابت” ليقع منح قيادته للأخير في مؤتمر سريع وعاجل وغير معلن عنه إعلاميا في 15 جويلية 2006…

وكل ما سبق يبين كيف تمت إعاقة تشكيل تيار ليبرالي فعلي في تونس ولم يسمح بإرساء تيار ليبرالي طلابي واقعيا كما أن الأحزاب الليبرالية المؤسسة بعد الثورة لم تستطع البروز وإقناع الرأي العام أنها فعلا أحزاب ليبرالية فما بالك بالنخبة الطلابية رغم المحاولات المتكررة للاتحاد الوطني الحر والحزب الليبرالي المغاربي، ورغم أنه بإمكان حزب آفاق تونس أن يحدث الفارق في الساحة الجامعية مستقبلا…

+ أي مستقبل للتيارات السياسية في الجامعة؟

ارتبطت التيارات السياسية في الجامعة بفعل الأحزاب السياسية والتنظيمات المرتبطة بها فكريا وسياسيا، وان كانت تلك التيارات فاعلة سابقا في تطور الأحزاب والتنظيمات فإنها ومنذ سنوات أصبحت من حيث فعلها ووجودها التنظيمي انعكسا لواقع الأحزاب السياسية المرتبطة بها، كما يجب التنويه أن أجهزة الدولة البوليسية وطوال عقدي الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي ساهمت في اختراق وتقسيم العديد من التنظيمات الطلابية وأن ذلك كان مدخلا مرحليا لإضعاف أحزاب سياسية وتقسيمها لاحقا..

ويبقى مستقبل هذه التيارات السياسية الطلابية مرتبطا بقدرة بعض القيادات الطلابية في القطع مع عقلية استقطاب طلاب لصالح الأحزاب وتبني سلبي لمقولاتها حيث يجب أن تنقل تلك القيادات الطلابية هموم منتسبيها من الطلاب للأحزاب السياسية وأن تؤثر الطلائع الطلابية من جديد في فعل الأحزاب وتتصدى لمنطق خضوع هذه الأحزاب لمنطق الولاءات لأجندات في الداخل والخارج سقطت فيها العديد من الأحزاب السياسية قبل و بعد الثورة أيضا…

كما يجب التنبه أن التيارات الطلابية مولت وساعدت الأحزاب على التطور والمراجعة لمقولاتها وأدبياتها وتحالفاتها وخلقت قيادات سياسية فاعلة حاليا في الساحة السياسية وهي موجودة كناشطين حزبيين أو خبراء في السياسة و الإعلام و إدارة الدولة والأحزاب والجمعيات والمنظمات، وهو ما لم يحدث في العديد من البلدان العربية الأخرى، وبالتالي لابد من إعطاء مساحات للفعل والانتساب الايجابي للطلبة الحاليين حتى يصنعوا ربيع أحزابنا ومنظماتنا و جمعياتنا وقنواتنا الإعلامية و مؤسساتنا الثقافية في قادم العقود والسنوات خاصة وأننا نعيش مرحلة مفصلية سياسيا واقتصاديا وأيضا في حصول مفارقة أننا سنبدأ مرحلة تقلص عدد الطلاب بعد أن بلغ الحد الأقصى في السنوات الماضية ( 400 ألف طالب)….

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق