تحاليلتونس

المصالحة هي نتيجة ممكنة لمسار العدالة الإنتقالية وليست غاية له

 

 

عثمان بن حاج عمر

 

 

“المصالحة الوطنية” أو”المصالحة الاقتصادية” ومسميات أخرى كثيرة، هي ليست طفرة تشريعية أو ترف قانوني، (ومنظومتنا التشريعية تئن من ذلك بل ومن تضارب القوانين وعدم انسجامها من حيث الأصول ومن حيث المقاصد)… بل هي مسار تشريعي جديد لخيارات سياسية خطيرة وجديدة  أعلن عنها رئيس الجمهورية في خطابه يوم 20 مارس الفارط حيث دعا الى السير قدما “نحو المصالحة الوطنية التي تضمن حق الجميع وتفتح الطريق للإسهام الجدي في البناء بفضل رفع جميع القيود و تذليل العقبات أمام رجال الاعمال المعنيين لكي يستعيدوا نشاطهم بعد إبرام الاتفاقيات الضرورية وصدور أحكام القضاء في شأنهم “وأكد على التعجيل “برفع كل الحواجز بعد إيجاد إطار قانوني لهذا الصلح وغلق هذه الملفات نهائيا معتبرا أن المصالحة الاقتصادية هي مكون حيوي من المصالحة الوطنية الشاملة…

والحقيقة أن صياغة كلام رئيس الجمهورية في 20 مارس هي الجديدة أما الفكرة في حد ذاتها فهي قديمة غير أن رئيس الجمهورية غلفها بعدة أغلفة حتى أخفاها تماما أثناء الحملة الإنتخابية. ولكن مباشرة بعد الإنتخابات الأخيرة سارع في الإعلان عنها سافرة ودون أي تزويق تحت وطأة الضغوطات الغربية وبالخصوص الأمريكية… فالفكرة تأتي في سياق فتح أبواب البلاد على مصراعيها للرأس المال الأمريكي والأوروبي بإعادة صياغة مجلة الإستثمار والتشجيع على الإستثمار بإقرار مزيد من الإعفاءات الضريبية وإلغاء المعاليم الديوانية، وإقرار مرونة التشغيل… وهي “الإصلاحات” التي طالبت بها وزيرة التجارة الأمريكية في “مؤتمر الريادة والإستثمار” الذي انعقد ببلادنا مطلع مارس الفائت والذي أعلن فيه رئيس الجمهورية عن انزعاجه وغضبه من تخلف التشريع التونسي في  هذا المجال مطالبا بما سماها “إصلاحات” مؤلمة ضرورية وعاجلة… كان مشروع قانون المصالحة باكورتها الأولى… حيث  تم بتاريخ 14 جويلية المنقضي عرض المشروع الموعود لذلك الإطار القانوني في شكل مبادرة رئاسية تم طرحها ومناقشتها والمصادقة عليها في اجتماع ذي صبغة استثنائية لمجلس الوزراء. وتم في الأخير تقديم المشروع وصياغته تحت عنوان “قانون أساسي يتعلق بإجراءات خاصة بالمصالحة في المجال الإقتصادي و المالي “.مشروع من 12 فصلا تتضمن أساسا تفصيل محتوى الإجراءات المذكورة وهي كما عرفها نفس المشروع “تدابير خاصة بالإنتهاكات المتعلقة بالفساد المالي و الإعتداء على المال العام تفضي إلى غلق الملفات نهائيا وطي صفحة الماضي تحقيقا للمصالحة باعتبارها الغاية السامية للعدالة الانتقالية.

إذا كانت هذه هي حقيقة أسباب تقديم المشروع، فعبثا حاول واضعوه ربطه بمسار العدالة الإنتقالية وكون المصالحة هي تتويج لمسارها… (والحال أنها تتويج ممكن وليس ضروري لمسار العدالة الإنتقالية)… فهذا المشروع لا علاقة له بالعدالة الإنتقالية، وإنما يأتي في سياق تسوية سياسية و اقتصادية مع المنظومة السابقة أملتها الضغوطات المباشرة من الرأس المال العالمي، وتطبيق حرفي لمبدأ “من يمكنه الأكثر يمكنه الأقل”… أي إذا كانت الدولة مقدمة على التعامل مع الأجنبي بذلك السخاء: تسهيلات لوجستية، إعفاءات جبائية، تحييد النظام القضائي الوطني أو  الانتقاص التشريعي من اختصاص المحاكم بالنسبة للأجنبي فمن باب أولى وأحرى أن يتمتع التونسي بهذه المنافع حتى وإن كان فاسدا أو متلاعبا بالمال فجاء متشبعا بهذه الروح ويعمل على إقرار تدابير خاصة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تفضي إلى غلق الملفات نهائيا وطي صفحة الماضي…وألغى جميع الأحكام المتعلقة بالفساد المالي والإعتداء على المال العام الواردة بالقانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة الإنتقالية وتنظيمها.

قد يلاحظ البعض أن رئيس الجمهورية، وكذلك واضعو مشروع القانون لم يراعو ما ورد في التوظئة العامة للدستور (لا أتحدث عن خرق الدستور فهذه مسألة من اختصاص لجنة الرقابة الدستورية)، وإنما التوطئة باعتبارها ذات حمولة فكرية وإيدولوجية تلخص الفكرة الأصلية التي يقوم عليها النظام السياسي نحن  نواب الشعب التونسي، … وقطعا مع الظلم والحيف والفساد، ” وفي تعارض تام مع المرسوم 120 لسنة 2011  الذي جاء فيه “يهدف هذا المرسوم الإطاري إلى مكافحة الفساد في القطاعين العام والخاص وذلك خاصة بتطوير جهود الوقاية منه وتيسير كشفه وضمان تتبع مرتكبيه وردعهم ودعم المجهود الدولي للحد منه وتقليص آثاره والعمل على استرجاع عائداته”. لم يقف رئيس الجمهورية ولا واضعو هذا المشروع ولو لحظة أمام ذلك، لم يقفوا ولو للحظة أمام كلمات مثل “الإنتهاكات المتعلقة بالفساد والإعتداء على المال العام”،وتقدموا مباشرة بعد”فساد” واعتداء”  بضرورة غلق الملفات وطي صفحة الماضي؟؟؟… شيء غير مفهوم لا يفسره إلا وجود علاقة ما بين الفسدة كشخوص وممارسات، وبين روح من صاغ المشروع أو من قدم فكرته… وهذا ما يزعج التونسيين، ويجعلهم من كل القوى السياسية ومن كل الفئات الإجتماعية والشرائح العمرية ضد هذا القانون… أي ضد تلك الروح المطبّعة مع الفساد، وتلك العقلية المتسامحة مع السّراق…

إن هذا المشروع في بعده الإستراتيجي هو ليس فقط تنكر لاستحقاقات ثورة الحرية والكرامة… وإنما هو محاولة متقدمة في وأد أي فكر وطني ثوري وذلك بخلق ثقافة التطبيع مع الفساد وعدم المحاسبة… وهي الثقافة التي يسعى دهاقنة صناع القرار الدولي ورأس المال العالمي إلى إرساءها في قطرنا، أكثر من حرصهم على فتح أبواب أسواقنا… التي هي في الواقع ليست سوقا تنافسية كبيرة… ثم هم بعد ذلك يمتحنون قدرة النخبة الحاكمة التونسية على التأقلم مع هكذا وضع وقدرتهم على فرض ذلك على الوطن والشعب… حتى لا ننسى أن إمضاء العهدة الإطارية مع الولايات المتحدة، ومع الحلف الأطلسي وإقرار حالة الطوارئ تم مع البدء في إعداد هذا المشروع…

والحقيقة أن رئيس الجمهورية وحزبه ليسا هما الوحيدين المسؤولين عن ذلك… بل إن النهضة شريك أساسي بالتصريح والتلميح، بالقول والممارسة… فرئيسها وجل قادتها أعربوا عن مساندتهم لهذا التمشي، وهم معذورون فهم جزء من النخبة الحاكمة التي تريد أن تنجح في امتحانات صناع القرار  الدولي، عبروا بكثير من المهارة عن كونهم الحزب الأقدر على خدمة المشاريع الأمريكية ومشاريع الرأس المال الأجنبي… ولكن تبقى أهم مساهمة لحركة النهضة في هذا التمشي، هو حرصها أيام فترة حكمها على أن يكون قانون العدالة الإنتقالية ملغوما بتلك الطريقة التي هو عليها، وبذلك الغموض والتناقض… ولكن وبصفة خاصة الهيئة التي كلفت بتطبيقه “هيئة الحقيقة والكرامة” وأن تكون بتلك التركيبة وبتلك الرئيسة… فالنهضة تعرف سهام بن سدرين، وتعرف من ماضيها ومن حاضرها أنها لا يمكن أن تكون محل ثقة كل التونسيين… وقد وظف رئيس الجمهورية وحزبه هذه النقيصة في تركيبة الهيئة أحسن توظيف… فالكثبر من الذين يساندون مشروع قانون المصالحة، هم بالإضافة إلى المغالطات التي يروجها أصحاب المشروع، والتي أقنعوا بها جزءا من الرأي العام، خاصة عندما يتحدثون عن المردود المالي لهذه المصالحة، وهو مردود أولا غير مؤكد ويظل القول إن “تهيئة مناخ ملائم يشجع على الاستثمار وينهض بالاقتصاد الوطني” مجرد إدعاء لا يتناسب مع اقرار عفو عام وإجراءات صلحية خارج الضمانات الأساسية والتي من شأنها توسيع دائرة الفساد والتفريط في المال العام و الأضرار بالإقتصاد الوطني ومناخ الإستثمار إضافة إلى الانتقاص من موارد الخزينة العامة والإخلال بقواعد الحوكمة الرشيدة، وثانيا يمكن تحقيقه في إطار العدالة الإنتقالية وعبر تطبيق القانون، فإن جزء مهما منهم ساند هذا المشروع نكاية في سهام بن سدرين…. النهضة تعرف… والنداء له أوراق أخرى للسير في ما اختاره وما اصطفاه إليه صناع القرار الدولي، منها تعطيل عمل هيئة الحقيقة والكرامة، بالإبطاء في صرف الموازنة وعبر استمالة بعض أعضائها والضغط عليهم لدفعهم للإستقالة…

إن مشروع قانون المصالحة هو جزء من ثمار تحالف النداء والنهضة، هذين الحزبين الذين سيعاني الشعب والوطن من اتفاقهما كما سيعاني من اختلافهما…

إن حركة البعث، إذ تعارض هذا المشروع وتعمل على إسقاطه وعدم المصادقة عليه… ليس من باب رغبتها في الزج بأي كان في السجون، ولا بدافع الإنتقام أو التشفي، وإنما لآننا نرى أن المساءلة ركن أساسي من أركان دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان… وأن المصالحة بجميع صورها هي نتيجة ممكنة (وليست ضرورية) لمسار العدالة الإنتقالية، وأنها أي المصالحة ليست غاية في حد ذاتها… وأن العدل الذي هو أساس العمران لا يكون إلا بالمساءلة وكشف الحقيقة وإعادة الحق لأصحابه… ثم يأتي تقدير العقوبة… وأحد أوجهها المصالحة. فهل نسي أو تناسى واضعو هذا المشروع أن مسار العدالة الإنتقالية من جملة أهدافه إصلاح المؤسسات على قاعدة “تفكيك منظومة الفساد والقمع والإستبداد ومعالجتها بشكل يضمن عدم تكرار الإنتهاكات و احترام حقوق الإنسان و إرساء دولة القانون… فكيف يسيرون في الإتجاه العكسي لما رسمه القانون، والدستور ؟؟؟

إن حركة البعث تدعو إلى العودة إلى قانون العدالة الإنتقالية، وإعادة صياغته وإصلاحه، والعودة إلى هيئة العدالة الإنتقالية، لإصلاح هيكلتها وتصحيح مسارها، وأن يشمل عملها المصارحة والمحاسبة والمصالحة في جميع أوجهها السياسية والإقتصادية والمالية والإنصاف وإعادة كتابة التاريخ الوطني…

كما أن رفضنا هو جزء من الثقافة التي نريد إرساءها في مجتمعنا بعد الثورة، على قدر السلطة تأتي المسؤولية، وتأتي المحاسبة وكشف الحقيقة… وإرجاع الحق لأصحابه… وليست ثقافة الإفلات من العقوبة والتطبيع مع الفساد والمفسدين… من نهب ثروات تونس وتعطيل مسيرتها يجب أن يحاسب (بكل رحابة الصدر والتسامح الممكنة…)، حتى يرتدع الفاسدون والسرّاق… ونؤمّن على مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة… لا أن ننزع الصفة الاجرامية عن أفعاله، والعقوبات المستوجبة عن جرائم خطيرة ارتكبوها ونعرض تسوية الانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام خارج إطار الشفافية وضمانات المحاكمة العفو وكل المزايا الجبائية والجمركية… ونستجدي منهم ما سرقوه ونهبوه وكأنهم يمنون علينا…

 

 

 جريدة الشعب اليوم 3/9/2015 ص 8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق