تحاليلتونس

حراك شعب المواطنين: بين إرث المحطات التاريخية للمؤتمر والرهانات المستقبلية لحلفاء المرزوقي وأنصاره

 

 

 

علي عبد اللطيف اللافي

 

          عندما خاض المرزوقي غمار الدورة الثانية للرئاسية تبين للمتابعين والمحللين وللرأي العام أن هناك رصيدا شعبيا له ولحزبه ولحلفائه لا يمكن بتاتا تصنيفه لا في صف النهضة وروافدها الفكرية والسياسية المتعددة ولا ضمن صف النداء وحلفائه الموضوعيين و لا ضمن اليسار الماركسي بجبهاته وأحزابه وروافده الثقافية و الاجتماعية  ولا ضمن جبهة التيار القومي المُفككة بفصائلها المشتتة بطبيعتها، و بعد قبول المرزوقي بالنتائج نتاج قراءاته للوضع الحرج لتونس واقتصادها وطبيعة التطورات الإقليمية والدولية، اختار و بتسرع مُفروض بناء على نقاشات  بين بعض أحزاب وفاعلين من أنصاره ومساعديه، الإعلان عن إطلاق “حراك شعب المواطنين” لمد جُسور متعددة مع أنصاره وناخبيه،

فأي إرث للمحطات التاريخية لنضال الرجل وتجربة حزب المؤتمر على هذا الحراك، وكيف تطورت الفكرة ضمن نقاشات جرت بعيدا عن الأضواء؟، ولما انسحبت شخصيات وأحزاب؟، وأي أفق للحراك ولباعثه؟، وأي هوية سياسية له وسط مشهد سياسي متقلب ومتغير في ظل متغيرات إقليمية متسارعة ومتطورة دراماتيكيا؟     

 

إرث المحطات التاريخية وترتباتها على حزب المؤتمر

  • رهانات التأسيس و ترتبات البُعد الثوري للحزب

             أسس حزب “المؤتمر” سنة 2001 على إثر التقاء عدد من المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان من مشارب فكرية مختلفة، واعتمد المؤتمر منذ تأسيسه منهجا فكريا ينطلق من هوية تونس ومن الأفكار التحررية الإنسانية، وقد رفض الرئيس المخلوع يومها الاعتراف به، ولكن ذلك لم يمنعه من النشاط فتعرضت عناصره إلى عديد الإجراءات الانتقامية والتي وصلت إلى محاولة اغتيال البعض، فاتبع النشاط السري حتى قيام الثورة وتمسك بمنطق التغيير الشامل للسلطة القائمة، ورفع المرزوقي شعاره المعروف أن نظام بن علي وحزبه “لا يصلح ولا يُصلح” وتمسك بخيار المعارضة و الصدام مع الدولة البوليسية وضرورة إسقاطها و تجذر خطاب قيادات الحزب عشية أحداث الثورة وتمسك الدايمي والمرزوقي والعيادي  وعددا من قيادات الحزب مساء 13 جانفي برحيل المخلوع وحل حزبه …

          و بعد انتصار ثورة الحرية والكرامة عادت قيادات الحزب المقيمة في الخارج ونشطت قيادات الداخل في التعريف بالحزب وراهنت على الخطاب الثوري وعلى التصدي لأي ردة مما مكنه من استقطاب إطارات شبابية عززت هياكله   وتحصل على القانونية في 8 مارس 2011، وميزته بعد الثورة أنه توخّى خطابا سهلا ومُتماهيا مع طموحات التونسيين وآلامهم ومشاغلهم اليومية ودخل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي فحصل على نتائج هامة متقدما بذلك على أحزاب ادّعت الثورية وأنها أحزاب شعبية وتاريخية.

  • ترتبات تجربة الترويكا على حزب المؤتمر

                    رغم أن الحزب بعد الثورة مباشرة لم يكن سوى تنسيقية لمجموعة تدافع عن تحقيق أهداف الثورة وتوافقوا على التصعيد من اجل تحقيق أولوياتها و أساسا مقاومة الفساد واجتثاث بقايا منظومة والتجاذب الايجابي مع “النهضة”، وبالتالي اكتسب النجاعة على عكس بقية الأحزاب التي بذلت ما في وسعها للتصدي لزحف الإسلاميين عبر فزاعات عديدة ساهمت في فشلها الذريع جماهيريا وانتخابيا، وبالتالي تمكن الحزب من خوض تجربة الحكم متحالفا مع النهضة والتكتل، وقد مكنت التجربة أفضت إلى تمكين زعيم الحزب منصف المرزوقي من رئاسة الجمهورية الثانية.
ولكن الحزب لم ينتظر طويلا، وبحكم هشاشته، ليفرز صراعات بين زعاماته ورموزه حول عدد من القضايا بل واتهمت وسائل الإعلام قيادات الحزب بتقاسم “مآثر و كعكة الانتخابات” في الحقائب الوزارية،  وفي ما بعد تواصل الخلاف الداخلي حول أداء الحكومة وقد أدت هذه الخلافات إلى انشقاقات وظهور كتل جديدة بين عدد محدود جدا من الفاعلين لا يتوفر الحزب على غيرهم.
وبما أن رئيس الحزب ورئيس التونسيين جمد عضويته انسجاما مع مقتضيات منصبه فان “المؤتمر” دفع مقابل ذلك ثمنا كبيرا بحكم الفراغ القيادي فانشقت مجموعة العيادي والتي عرفت باسم “المؤتمر الديمقراطي المستقل ” ثم باسم “حركة وفاء” وهو ما حدا بمحمد عبو القيادي البارز بتقديم استقالته يومها من الحكومة من اجل إنقاذ الحزب وسحب البساط من تحت أقدام المنشقين والمناوئين للحزب، ورغم ذلك فان الحزب أصبح في وضعية المنزلة بين المنزلتين أي بين الحكم والمعارضة فهو من ناحية يريد أن يستفيد من تجربة الحكم ومن مساهمته في دعم النهضة في المجلس التأسيسي ومن ناحية أخرى أراد أن يُحافظ على نزعته الثورية وتبنيه للمطالب الشعبية والتي تضعه في خانة المعارضة الساعية بلا حدود إلى التشهير بالحكومة وتعجيزها.
ولقد تم افتتاح المؤتمر الثاني للحزب يومها استنادا إلى حصيلة باعتبار نتائج الانتخابات الماضية التي جعلت منه الحزب الثاني في البلاد بعد النهضة، ولكن طموحه لا يستطيع أن يتجاوز عقبات بارزة في طريقه متمثلة في عدم توفره على الحد الأدنى الهيكلي الوظيفي و هشاشة مكاتبه الجهوية المتشكلة من وافدين جدد لم تسبق لهم أيّة علاقة بالحزب مما يجعل إخلاصهم وانضباطهم و تأطيرهم وتوظيفهم أمورا مُعلّقة، وبالتالي وان تم اختيار قيادة جديدة و تجاوز وضع تنظيمي فان قد تجلى وبوضوح أن تركيبة الحزب محدودة مواردها البشرية وتناقض طموحات كوادره وسهولة حصول الانشقاقات داخله، إضافة إلى محدودية موارده المالية وغياب هوية صلبة جامعة وداعمة للانضباط ، ودون تناسي الضريبة المفترضة لتحالفه مع النهضة و عداء مناوئي الرئيس و مسؤوليته ضمن تحالف الحكم الذي واجه يومها صعوبات كبيرة في الاستجابة لمطالب الشعب وفي التصدي لمناورات الخصوم التصادمية.مضيفا إليها تحامل الإعلام التونسي.

 

الرهانات المستقبلية للمرزوقي وحلفائه و أنصاره

  • إعلان حراك شعب المواطنين والجدل حول طبيعته

        جاء إعلان حراك شعب المواطنين كنتاج لمطالبات أنصاره وقياداته والفاعلين الرئيسيين داخل وخارج حزب المؤتمر وخاصة بعد التوجه الذي سلكته عددا من قوى الثورة على غرار بعض المكونات اليسارية والقومية و أيضا التوجهات السياسية لحركة النهضة ومخاض التجاذب السياسي في الدورة الثانية للرئاسية وما حف بها من خطاب واصطفاف و تموقع وطبيعة التطورات الإقليمية والدولية التي رافقت عملية الانتقال السياسي في تونس بعد نتائج الانتخابات التشريعية….  

           إلا أن جدلا كبيرا أثير داخل الفاعلين في المبادرة حول طبيعة الحراك ومستقبله و آفاقه وهو ما طرح جدلا حول علاقة السياسي بالحراك الجمعياتي والثقافي …

وبالتوازي مع ذلك  و في الوقت الذي كان حراك شعب المواطنين يستعد لعقد مؤتمره التأسيسي الأول والذي كان مبرمجا يومها ليوم 20 مارس الماضي، اختارت بعض الأحزاب عدم مواصلة الطريق من بين عدة أحزاب عدة دعمت المرزوقي ووقفت إلى جانبه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وخاصة في الدورة الثانية ورغم أن بعض إعلاميين وسياسيين رأوا أن انسحاب هذه الأحزاب من المبادرة في الربع ساعة الأخير سيؤثر كثيرا وسيبعث برسائل سلبية  للمتحمسين لها، فأن لم يكن أي أثر واقعي لبيان هذه الأحزاب الأقرب للنخبوية وبعضها لا أنصار له على الأرض بل أنها اكتفت سياسيا بأن حمّلت مسؤولية ما أسمته بإجهاض المبادرة  لأطراف مُتنفذة داخل «الحراك» حتى أن أقلاما معروفة وصل بها الأمر وعدم المهنية الإعلامية أن ذهبت إلى أن الانسحاب قد يحوّل الحراك إلى “مولود ميت” على حد عبارات احد التحاليل في إحدى الصحف اليومية المتخندقة في عدد من الأجندات وهو ما لم يحصل من بعد على أرض الواقع الميداني…
وفي هذا الإطار  أكد يومها مثلا، محمد القوماني الأمين العام لحزب الاصلاح والتنمية (الذي حل نفسه لاحقا وتحديدا بعد انسحابه من الحراك)، أن انسحابهم – أي وفاء والإصلاح وحزبين آخرين- يعود بالأساس للغموض الذي يسيطر على الحراك قبل أيام فقط من انعقاد المؤتمر قائلا يومها “نحن 4 أحزاب دعمنا الدكتور المنصف المرزوقي في الانتخابات الرئاسية بغاية إحداث توازن في مؤسسات الحكم بعد ان تقدم «نداء تونس» في مجلس نواب الشعب وبعد فوز الباجي قائد السبسي في «الرئاسية» قمنا بدعم مبادرة «حراك شعب المواطنين» التي أطلقها الدكتور المرزوقي للاستفادة من زخم الانتخابات لبناء رافعة سياسية قادرة على احداث التوازن في المشهد السياسي من خارج مؤسسات الحكم وقادرة على رفع التحديات الوطنية في المرحلة القادمة خاصة ان هذه الحاجة تأكدت بعد تحالف الحزبين الرئيسيين بما اضعف المعارضة داخل البرلمان”.، بل أن القوماني أكد في ذلك التصريح
“مشاركتنا في الحوار السياسي الذي انطلق منذ جانفي الماضي كانت على هذا الأساس  لكنّنا لاحظنا قبل أيام من موعد المؤتمر لبناء الحراك تنظيميا ومضمونيا، أن الغموض مازال مستمرا حول الأفق السياسي لهذا الحراك إلى جانب تعمّد بعض الشخصيات التي كانت قريبة من حملة المرزوقي إلى تكوين جمعيات محلية بالمعتمديات ذات طابع تنموي أو ثقافي أو اجتماعي وتعتزم إعلان ائتلاف هذه الجمعيات المكونة من بقايا تنسيقيات الانتخابات وهذا ما نعتبره طابعا جمعياتيا للحراك تحاول بعض الأطراف فرضه كأمر واقع في المؤتمر معتبرا أن هذا الأمر لا يتناسب مع تطلعات أحزابهم كأحزاب سياسية تريد أن تبني رافعة تنظيمية في حزب سياسي جديد أو جبهة أو غيرها”
 وأكد آخرون من المنسحبين في أكثر من تصريح أنهم رفضوا الانجرار إلى صيغ لم يشاركوا في إقرارها وأنهم لذلك أعلنوا  الانسحاب من المبادرة دون ان يكونوا في خصومة معها”
و على النقيض من ذلك يعتبر البعض الآخر من أنصار الحراك وخاصة من المتمسكين بالبعد الجمعياتي والثقافي فيه  “أن الحراك يمكن أن يكون لبنة ايجابية تضيف إلى المشهد الوطني وتكسر منطق الاستقطاب الثنائي نهائيا”، بينما يعتبر المنسحبين أن ” التحضيرات والمؤشرات تقول انه دون التطلعات مشيرا إلى أن الأحزاب المنسحبة لمست خلال جلسات الحوار في الأشهر الماضية غياب الجدية عن بعض الأطراف والتي ربما ساهمت  في تشتيت جهود المنحازين للثورة وحالت دون تجمعهم في الانتخابات التشريعية وربما أيضا ساهمت في إضعاف حظوظ المرزوقي في الانتخابات الرئاسية مشيرا إلى أن هذه الأطراف  لم تستخلص بعد العبرة من كل ما حدث”

  وقد رد عدنان منصر مثلا على تلك التصريحات والمواقف يومها معتبرا “أنّ ذلك يتعارض مع نزاهة الفكر و الانتماء لأنّ هيكل الحراك لم يتأسس بعد…”، وأكد أيضا “من اعتقد أنه بـالحراك سيُحيي أحزابا لم يعد لها وجود على الأرض فقد أخطأ العنوان منذ البداية بل أن منصر أشار  إلى أن “الحراك مشروع للمستقبل، والسياسة وحدها لا تبني المستقبل، ولكن سيكون للحراك كلمته في السياسة وغيرها. إنّ الحراك لن يكون تكرارا للفشل ، بل هو قوّة بناء للمستقبل و لخلق البديل العميق بعيدا عن كلّ التجاذبات العقيمة» مضيفا أنّ الحراك سيكون فضاء لتأطير مختلف عن هيكلة و نمط الأحزاب”.

  • أي أفق للمرزوقي وحراكه وحلفائه وأنصاره؟

          و بعد تلك كل النقاشات تم الإعلان الرسمي الأولي عن الصيغة التي ستتخذها مبادرة الرئيس السابق المنصف المرزوقي والتي سميت بـــحراك شعب المواطنين، وقد اتضحت المعالم الكبرى للمبادرة أو الحراك، بعد أن دارت نقاشات عدة لأسابيع بين الفاعلين في الحراك وقياداته وبين الأحزاب والجمعيات المدنية المناصرة له، حيث تم تطارح أسئلة ملحة على غرار هل سيكون الحراك حركة مواطنة اجتماعية تجمع مختلف الأطياف أم حركة حزبية بالأساس وقد تم التأجيل سابقا لعدم الجاهزية التنظيمية  و لعدم وضوح الرؤية الإستراتيجية نتاج انسحاب بعض أحزاب على غرار البناء و الإصلاح والتنمية و أحزاب أخرى كما سبق وأن اشرنا إلى ذلك سلفا وأعلاه،  والثابت أن الصيغة النهائية لهذا الحراك قد تبلورت لتعلن بعد غد الصبغة والصيغة ليعلن حسب مصادر مطلعة وقريبة من قيادة الحراك  في شكل جبهة سياسية لكنه مفتوح على عدة أشكال ولا يقتصر على الشكل السياسي فقط وسيتم التأكيد على أن الحراك مواطني فيه كل الأبعاد والميولات، كما تم انتقاد الحملات الإعلامية الممنهجة و تم وضع استراتيجيا أولية لمواجهتها مستقبلا عبر التمسك بالتصدي للمنظومات القديمة في كل ما يهم الحراك ومكوناته وقياداته وهو ما تم التأكيد عليه في أكثر من مناسبة …

  ويمكن القول أن الحراك قادر على التموقع كقوة ثالثة بعد حزبي النهضة والنداء في أفق المرحلة القادمة بما يمتلكه من امتداد شعبي حيث ترى فيه فئات شعبية أنه تواصل للنفس الثوري ضد المنظومة القديمة وضد الفساد ومن جهة أخرى يبقى مستقبله مرتبطا بقدرة عقله السياسي على المرونة وقراءة الوضع الوطني والإقليمي والدولي والقدرة على خطاب يستقطب فئات شعبية ونخب لا تريد ركوب مراكب النهضة والنداء واليسار ولا بقية القوى السياسية الأخرى و هي قوى يستقطبها خطاب الحراك ومكوناته السياسية والاجتماعية …

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق