تحاليلتونس

المصالحة الوطنية: محاذير وشروط والإشكال يكمن في التفاصيل

 

علي عبد اللطيف اللافي:

 

               كثرت في المدة الأخيرة المقالات والبرامج والجدل في المصالحة الوطنية، وضرورة نسيان وتجاوز الماضي والحديث عن المستقبل. وإن كان جميع التونسيين بأحزابهم ومثقفيهم لا يختلفون أبدا في ضرورة إجراء المصالحة الوطنية للإقلاع وبناء أسس الجمهورية الثانية، فإن عددا من الأسئلة تطرح نفسها بإلحاح: بأي طريقة ستتم هذه المصالحة؟ ومتى تحديدا؟ ثم أي علاقة لتلك المصالحة بأهمّ ملف بعد الثورة، ألا وهو العدالة الانتقالية؟ ومن ستشمل بدقة؟ وهل سيقع القفز على المحاسبة وعلى الملفات، كملف القناصة والاغتيالات منذ 1955، وعلى أحداث كبرى، مثل جانفي 78 وجانفي 84 وأفريل 86 وجانفي 2008، وصولا إلى الحديث عن محاذير وشروط موضوعية، بل أيّ مصالحة فعلية وعادلة وغير انتقامية يريدها التونسيون؟

  • رُؤى متعددة للمصالحة الوطنية:

يطرح الساسة والمحللون منذ أسابيع بشكل يومي أفكارا ورؤى لموضوع المصالحة الوطنية، لكن ما نلحظه أن منطق أو رياضة اغتصاب المصطلحات واختطاف المعنى أصبحت رياضة “وطنية” عند جزء كبير من نخبتنا “الوطنية” على حد عبارات المدوّن والمغترب كمال عزيزة، وما يلاحظ أن نخبتنا أسقطت مفاهيم، وتعمّدت إفساد معاني “الوفاق” و”التوافق” و”التنافس” بعد رجّ مفاهيم الديمقراطية والثورة والشرعية بعد أن جرمت إثر مؤتمر المصير في بنزرت الذي انتهت أشغاله سنة 1964 إلى توافق فئوي حزبي على مقدرات الوطن، يأتي اليوم دور المصالحة والعدالة الانتقالية التي يريدها البعض مصالحة على مقاس الجلاد لا تُؤذي “مشاعره” ولا “ثروته” ولا “مصالحه”، وعدالة انتقائية لا تغوص في محاكمة فعلية للمنظومة القديمة، وتدمّر آليات الفساد فيها ولا الأساطير المؤسسة لدولته، بل إن البعض يحاول اختزال المصالحة في جبر ضرر مجموعة من المناضلين الذين تضرروا أضرارا بالغة بعد سنوات من التعذيب والسجن والملاحقة.

  • محاذير في التعاطي مع موضوع المصالحة الوطنية:

لن يطمئن التونسيون أبدا للدولة، وسيبقون متوجسين منها، خاصة في ظل تزايد نفوذ الدولة العميقة والثورة المضادة، ولن يحصل الاطمئنان التام إلا إذا تحققت أهداف الثورة في حدها الأدنى ووقع قطع أشواط في استكمال مهامّها، ولا خلاف في أن تحقيق بعض الأهداف واستكمال بعض المهام لن يتم إلا بمصالحة وطنية تحقق العدالة الانتقالية بعيدا عن منطق الانتقام، ولن يحصل ذلك الاطمئنان إلا إذا راعت الحكومة والأحزاب والمنظمات المحاذير التالية:

أ- تغير العقيدة الأمنية:

لا شك أن نظرة المواطنين بعد الثورة، وخاصة ضحايا مرحلة الدولة البوليسية، أي ضحايا المؤسسة الأمنية لدولة الاستقلال، قد تغيرت، وأصبحت النخب المعارضة سابقا تفصل بين المؤسسة الأمنية باعتبارها مُكلفة بتوفير الأمن وبسطه وحماية البلاد والعباد، وبعض الممارساتالصادرة عن افراد او مجموعات في هذه المؤسسة، ولكن البعض يعترض قائلا “إن المؤسسة الأمنية ليست مجموع أشخاص أو أعوان تشتغل لمصلحة أمن النظام فقط، بل هي مؤسسة تستبطن عقيدة معينة تجاه العديد من القضايا التي تهمّ الوطن”[1]، وهو ما يؤكد أنه لا معنى لتغيير في الأشخاص وإعادة الهيكلة تحت مسمّيات جديدة وأسلوب ورسائل جديدة ترسل للمجتمع، بل لا بد من مراجعة العقيدة الأمنية بما يتناسب مع تونس الديمقراطية الجديدة ونصوص الدستور الجديد.

كما أنه لا بد من طرح هذا السؤال: ما الهدف من المؤسسة السجنية؟ وهل هي مؤسسة لتطويع المواطن وكسر إرادته، أم هي مؤسسة لإعادة التأهيل؟ وهل السجن مطلوب لذاته أو وسيلة للاصلاح؟

كل المتابعين والمحللين يؤكدون أنه لا بد قبل الحديث عن المصالحة الوطنية من الحسم في الأسئلة والمقدمات التي تعرّف العقيدة الأمنية، وعلى ضوئها يجب مراجعة مناهج التدريب الخاصة بالوحدات الأمنية والسجنية والخاصة بمؤسسات تابعة للمؤسستين الأمنية والعسكرية؛ لتتلاءم مع الوضع الثوري والانتقالي، ويقع بناء عقيدة جديدة مقنعة، وهو ما يمكّن فعليا من صناعة أجيال أمنية جديدة بغض النظر عن المسميات رغم أهميتها (أمن جمهوري أو أمن نظام أو أي اسم آخر).

ب- ما الفائدة من مقايضة المحاسبة مع فاسدين ومتموقعين آنيا؟

من أهم المسائل الحيوية التي يجب الحذر منها هو تداخل المالي بالسياسي في تونس، فلا نريد في تونس أن ننتقل من دولة الحزب الواحد والفكرة الواحدة والزعيم الواحد إلى ديمقراطية رجال أعمال، على غرار المنوال الروسي، أي دولة “تحكم من قبل أولغارشية تسعى لتأبيد سيطرتها على الثروة عبر التحكم في السلطة دون مساءلة حقيقية عن مصادر ثروتها ولا إرجاع لما نهب”[2] خاصة أنه يراد من طرف بارونات الدولة العميقة أن نُقايض رجال أعمال فاسدين عادوا بطرق ملتوية وتموقعوا أكثر من شباب صنع الثورة وبنى ملحمتها البطولية..

ت – محاسبة أصحاب القرار منذ 1955 :

إذا كان البيروقراطي والتكنوقراطي وكل أعوان الدولة وإدارييها أداة تنفيذ، فإن السياسي هو الذي نظر وخطط وأعطى الأوامر وغطى على الجرائم، بل استفاد منها عمليا على امتداد عقود، وقد تم خلط الإداري بالسياسي الحزبي، وتحوّلنا من دولة الشعب التي ناضلت أجيالا وأجيالا من أجل نشوئها إلى شعب للدولة المافيوزية والبوليسية…، ويحاول البعض إقناعنا بأن المحاسبة السياسية قد فات أوانها، وأن أي حديث عنها أصبح مستهلكاً، بل الصحيح أن النظام لم يسقط وأعاد تجديد خلاياه، ويحاول العودة بأكثر قوة وفتوّة، ولكن الأمر الواقع لا يمكن أن يقفز على حقائق الأشياء ويصادر المطلوب بالضرورة إنجازه للمرور إلى جمهورية ثانية حقيقية، ثم إنه لا يجب أن يقع التغاضي عن ملفات كبرى، على غرار ملف القناصة والأجهزة الأمنية غير الرسمية في العهدين الأسبق والسابق، وطرح ملفات أحداث كبرى، على غرار أحداث الوردانين، والإجابة عن الأسئلة الآتية: من اغتال صالح بن يوسف؟ ومن خطط؟ ومن نفذ مع عبد الله الورداني وزرق العيون؟ ومن اغتال السحيمي والحسين بوزيان؟ وما حقيقة  تسميم المهيري؟ وما هي قصة الشيخ العيادي؟ ومن اغتال الصادق الهيشري وفوزي السنوسي؟ وغيرهم كثير، ومن دبر حادثة الطائرة في 2002؟ ومن خطط للتخلص من الجنرال القطاري سنة 1989؟

  • الشروط الموضوعية للمصالحة الوطنية

وبناء على ما سبق ذكره من محاذير لا غنى عن الانتباه إليها، فهناك شروط لا بدّ من توفرها، ويعني التغافل عنها أن المصالحة الوطنية الحقيقية لن تحدث وستبقى حبرا على ورق:

  • إن المصالحة الحقيقية هي طيّ الماضي الذي أنتج مآسي للجميع، كالاغتيالات وعمليات التعذيب في مراكز الأجهزة الأمنية والسجون، وعمليات الخطف والتعدّي، والمداهمات والانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان، ولا شك أن البدء بصفحة جديدة يجب أن  يشارك فيها الجميع في عمليّة البناء، فقد عرفت تونس 56 سنة من القمع والصراعات العنيفة، وانتفض الشعب في مرات عدة، وقام بثورة على المخلوع وحزبه وحاشيته، وثار على إعلامه المدجّن والمادح، وآن الأوان لطيّ صفحة الحروب الداخليّة والبدء ببناء الجمهورية الثانية وبناء دولة الشعب أي دولة الحق والقانون على أساس العيش المشترك.
  • طي صفحة الماضي لا يعني إلغاءها من ذاكرة التونسيين، والدفع نحو منطق “كأنّ شيئاً لم يكن” وهو محاولة يائسة من تجمعيي الأمس والمرسكلين اليوم وسط أحزاب عديدة في مواقع نفوذ حالية، فيُصبح أبطال القمع وانتهاك حقوق الإنسان كأنّهم أبطال البناء، ومرتكبو الجرائم قضاةَ العدل، وناشرو الفساد مصلحي البلاد والعباد.. كلاَّ، إنّ طي الصفحة لا بدّ أن يقوم على الاعتراف، وتقويم كلّ ذلك على أساس القيم التي يُراد البناء عليها للمستقبل.
  • كما أنه لا بد من ربط ذلك بإعادة كتابة تاريخ معاصر لتونس بعيدا عن منطق تاريخ المجاهد الأكبر أو صانع التغيير، كما أنه على الدولة أن تقدم اعتذاراً رسمياً لشعبها، وتصرف تعويضات لضحايا ذلك القمع والإرهاب والتعذيب والمنافي وللذين حرموا من حقهم في السفر والتقاضي والدراسة الجامعية بناء على انتماءاتهم الفكرية والسياسية.

ث- إن المصالحة الحقيقية هي التي تفسح المجال للشراكة بين السلطة الحاكمة والمعارضات السياسية بمختلف تفرعاتها، وهو ما يعني عمليا إعادة هيكلة المجال السياسي الذي يجب أن يعكس موضوعيا المصالحة الوطنية العادلة وغير الانتقامية…

 أي مصالحة يمكن أن نتفق جميعا عليها؟ 

  وبناء على ما سبق من ذكر للمحاذير واستعراض للشروط الموضوعية، فإن كل مواطن يتمنى أن يقع الدفع نحو مصالحة وطنية حقيقية تلمس جوهر القضايا، وتتناسب مع مشاغل الناس طوال العقود الماضية، وأن لا تتحول إلى تسويات بين كبار القوم وأصحاب رؤوس الأموال ، او المصالح، فالمصالحة الوطنية هي ملك للشعب بكل فئاته وأحزابه ومنظماته، أي أنها ملك عمومي لا ملك خاص لزيد أو عمرو أو قيادة حزبية ما تُقامر بها كما تُريد وتُساوم…

والمصالحة الوطنية في جزء منها هي بناء للمستقبل، ولتجربة جديدة على أنقاض استبداد كريه، وهي بناء مثمر لمجتمع متصالح مع نفسه وطامح إلى بناء دولة الحقوق والحريات ودولة القانون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –كمال عزيزة  تدوينة بعنوان “في المصالحة الوطنية” كتبها في ماي 2015

[2] –كمال عزيزة المصدر السابق

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق