تحاليل

جدلية الارتقاء من الليبرالية إلى الديمقراطية

 

 

 

توفيق المديني

 

منذ أن تبلورت دولة القانون في القرون الكلاسيكية أنتجت على الصعيد الايديولوجي أطروحات متناقضة حول الليبرالية والحرية والديمقراطية. فالليبرالية حركة أوروبية، غربية، أي أوروبية غربية المنشأ والمركز تعتبر خيراً كبيراً بالمقارنة، بالقياس مع القرون الوسطى. الليبرالية خير كبير مع ماسبقتها أو ما دونها، كذلك الرأسمالية التي تعتبر شراً كبيراً بالمقارنة مع الاشتراكية هي خير كبير بالمقارنة مع الاقطاعية، كذلك الرق، ومع روسيا السوفياتية المتأخرة، الوسطوية، المتناثرة، الفلاحية، الجاهلة، التوتاليتارية.

ويمكن القول أن هناك ضلالاً سائداً في الفكر العربي الذي يرتكب خطأ مماثلة الرأسمالية بالليبرالية، واعتبار هذه الأخيرة الشكل النهائي للحكومة البشرية، له نوعان من المصادر، الأول اجتماعي – طبقي، والثاني غنوزيولوجيمعرفي.فهذا الخطأ الذي يجب الاحتراز منه هو ربط الليبرالية كما تحددها مكوناتها التاريخية والديمقراطية بالرأسمالية في حين أن الليبرالية التي ارتبطت بحرية المشروع الاقتصادي أو بنظام الانتاج الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، اتخذت في سيرورة تطورها وارتقائها خطين متعارضين أو منفصلين، أحدهما يرقي باتجاه الديمقراطية والديالكتيك، حيث بقي التعارض بين الليبرالية والديمقراطية حياً، واكتسب مزيداً من الجدة جراء بروز مكتسب توسع الاقتراع العام، والمشاركة في السلطة السياسية، ودخول الحركة العمالية إلى الحلبة السياسية، وهي حركة ظلت تزيد من استلهامها للمذاهب الاشتراكية، والماركسية وهذه الأخيرة كانت متناقضة مع الليبرالية.

وثانيهما: ينسجم مع الوثنية الرأسمالية التي تشكل منذ نشأتها نظاماً رأسمالياً عالمياً مترابطاً ترابطاً بنيوياً، ويتسم باستقطابات واضحة، ويسعى إلى التراكم الرأسمالي المتعاظم، ولا تكافؤ التطور في ظل الصراع والتنافس، وتختزل الحرية في جانب واحد متمثلاً بالحرية الاقتصادية التي تشترط مسبقاً التزاماً صارماً بالملكية الخاصة لوسائل الانتاج، وتمارس تشيء العلاقات البشرية مثل السلعة والمال، والرأسمال والنهب، والاستغلال لشعوب العالم الثالث، وتحصر الليبرالية في مستنقع الوضعانية، مفسحة في المجال لهيمنة التيارت اللاعقلانية والظلامية في مركز النظام الرأسمالي، حيث تشكل النازية والفاشية أشد صورها قتامة وفظاظة.

لكن الحرية الليبرالية التي رفعت في قلب المجتمع الغربي، وفي عصر النهضة العربية الأولى، لم تعد من مسلمات ذلك المجتمع، وذلك العصر الليبرالي مع الحركة الوطنية العربية، بل سيكون نقد ذلك الشعار منطلقاً لطرح مسائل جوهرية حول الحرية كمفهوم مجرد مطلق على حد قول عبد الله العروي.

الديمقراطية هي موقف اعترف بالكائن والواقع، بذات الواقع والتاريخ موقف اعتراف بالبشرية الأمية صانعة التاريخ، الديمقراطية كما يقول لينين حركة عوام، إنها ديمقراطية فلاحية وديمقراطية عمالية في روسيا، وعلى صعيد عربي، الديمقراطية هي اعتراف بجماهير هذه الأمة، وهي كتل كبيرة مهملة، ويجب أن تتحول إلى ذات تاريخية سياسية فاعلة.

الديمقرطية ليست الليبرالية، ولكن يمكن تحديد مسار العلاقات بين الليبرالية والديمقراطية بالإستناد إلى ثلاث صيغ.

1- التعايش بين الليبرالية والديمقراطية، بما يعني ذلك إمكانية وجود دولة تكون ليبرالية وديمقراطية في الوقت عينه، من دون استيعاب وجود دولة ليبرالية غير ديمقراطية، كما يراها الليبراليون المحافظون، ودولة ديمقراطية غير ليبرالية كما يراها الديمقراطيون الثوريون الراديكاليون.

2- الديمقراطية في تناقض مع الليبرالية، أي أن الديمقراطية لا يمكن تحقيقها تحقيقاًكاملاً إلا في دولة تحقق العدالة الاجتماعية، وقبلت بالتخلي عن نموذج الدولة الليبرالية،وهذا هو رأي الديمقراطييين الثوريين الراديكاليين.

3- الترابط الضروري بين الليبرالية والديمقراطية، بمعنى أن الديمقراطية وحدها هي القادرة على التحقيق الكامل للنموذج الليبرالي الأمثل، وأن الدولة الليبرالية هي القادرة على توفير فرص وضع الديمقراطية موضع التنفيذ.

لقد شهدت المجتمعات الغربية الصناعية ولادة نموذج الدولة الليبرالية بوصفها نموذجاً لدولة القانون ، التي سيطرت فيها الايديولوجية الليبرالية التي ترتب السياسة على أساس مبدأ العقلانية وتنظيم حرية المشروع الاقتصادي والمتجر على قاعدة «العقلانية الاقتصادية»، والتي فكت ارتباطها بالعقلانية عموما في مرحلة الدولة الاستبدادية لرأس المال الاحتكاري، وماقادت إليه من اتجاهات لا عقلانية في المشروع الثقافي الغربي، ودولة القانون على صعيد السياسة.

ومع ذلك ترتكز دولة القانون على المبادئ التالية:

1- الفصل بين الدولة والمجتمع المدني والذي يمكن تسميته بالإنفصال الخارجي، بما يعني ذلك استقلالية الدولة تجاه المصالح العامة والطبقات والحياة الاقتصادية.

2- تحديد العلاقة القانونية بين الدولة والمجتمع بوساطة الانتخابات التي أصبحت حقا ديمقراطياً بالنسبة للمواطنين الذين يتعين عليهم انتخاب حكامهم، باعتبار أن الانتخابات الديمقراطية هي المصدر الحقيقي والأصلي لشرعية السلطة السياسية. فمشروعية السلطة لا يمكن أن تكون خارج الإرادة  الشعبية والانتخابات بوصفها قاعدة للديمقراطية..

3- المساواة أمام القانون: لماكانت الديمقراطية كمفهوم سياسي مدني ومديني، نسبة إلى المجتمع المدني والمديني في آن معاً، مرتبطة عضوياً بالعقلانية وبالحرية، بوصف الديمقراطية تشكل ممارسة الحرية، بماهي وعي الضرورة، فإن أحد أركان هذه الديمقراطية السياسية تقوم على المساواة أمام القانون لجميع المواطنين، بصرف النظر عن اللون والجنس والدين أو المذهب أو المعتقد أو الانتماء الفكري أو السياسي، باعتبار أن المساواة أمام القانون، وسيادة القانون على الحاكم والمحكومين، يشكلان مظهراً من مظاهر ممارسة السياسة بوصفها مجموعة من الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق المواطن الحر، هو عضو في الدولة السياسية وفي المجتمع المدني على حد سواء.

4- تقوم دولة القانون على مبدأ المغايرة والاختلاف والتباين والتعدد وحق المعارضة، وتقبل بوجود هذه الحقيقة الواقعية، حقيقة المغايرة المقترنة بالاعتراف بحقيقة التعددية، للقوى والتيارات والأحزاب السياسية، والطبقات والفئات الاجتماعية والاتجاهات والمذاهب الفكرية والأيديولوجية واختلافها وتناقضها في إطار سيرورة وعي نسبية الحقيقة، وإمكان خطأ الذات ووعي الذات بدلالة الآخر كخطوة حاسمة في الطريق الصحيحة نحو المجتمع المدني.

وهكذا تقبل دولة القانون الليبرالية بوجود كل الأحزاب على اختلاف مشاربها الفكرية والايديولوجية، شريطة أن لا تشكل هذه التعددية السياسية خروجاً عن إطار الدولة البرجوازية ذاتها التي تراه خروجاً عن القانون. ففي حال الأحزاب الماركسية التي يتمحور برنامجها في تحقيق سياسة اقتصادية واجتماعية تقوم علىالعدل الاجتماعي تدين الليبرالية الاقتصادية،  وتناقض جذرياً مع الدولة الليبرالية، يصبح وجودها غير مرغوب فيه وليس عجباً أن تحرم بعض الدول الليبرالية وجود أحزاب شيوعية في بلادها، كالولايات المتحدة الأميركية.

5- تقوم دولة القانون على مبدأ فصل السلطات،الذي يفرض على الأجهزة المستقلة عن بعضها تأمين مختلف الدولة.

ويجمع الحقوقيون وعلماء السياسة أن دولة القانون التي عرفت في العهود الكلاسيكية الليبرالية، قد طرأ عليها تغيرات عميقة أدخلت عليها في مجال مفاهيم سيادة الديمقراطية، والمبدأ الانتخابي، وانفصال السلطات، واستقلالية القضاء، بسبب انتقال المجتمعات الصناعية الغربية من مرحلة الرأسمالية التنافسية، إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، وإن كانت الأشكال المؤسسة للدولة الرأسمالية الاحتكارية قد حافظت على أشكال الدولة الليبرالية.

الثورة الديمقرطية البرجوازية في الغرب استطاعت أن تغير وجه التاريخ والعالم والأرض نفسها، وأن ترسي ديمقراطية اقترنت بظهور طبقة برجوازية ثورية جديدة، ولكنها لم تحقق كل حلمها التنويري الثوري، وإن كانت حققت تحولاً ثورياً،  كان حتى هذا الوقت أكبر تحول ثوري حدث في التاريخ، لم يتم تجاوزه ديالكتيكياً من قبل الثورات البلشفية الروسية والصينية، وكرست قيماً جديدة كالحرية والمساواة أمام القانون، والحماية القانونية للفرد ولأمنه، وبنت دولة حق وقانون كأساس منطقي للديمقراطية. ذلك أن دولة الحق هي الشطر الرئيسي لولادة دولة ديمقراطية، فلا ديمقراطية بلا دولة حق التي تعني أولاً وأساساً سمو القانون بدءاً من الدستور مروراً بمعظم القوانين الأخرى.وإذا كانت دولة الحق أسست  لفكرة سمو القانون والدولة والديمقراطية في الغرب، فإن الدولة العربية المعاصرة تتسم بسمات الفوضى والعسف والاستبداد واللاديمقراطية، وهي مخلوطة من الطبقات الكمبردورية والطوائف والعائلات والقبائل وهلمجرا.

 

المصدر: صحيفة الشرق،  19جوان 2015

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق