تحاليلتونس

الثورة التونسية وتحقيق العدالة الانتقالية

 telechargement-1

 

توفيق المديني

 

لا يزال مفهوم وأبعاد مصطلح العدالة الانتقالية غير متأصل في الفكر السياسي العربي المعاصر، لأنه من المفاهيم التي ما زالت غامضة أو ملتبسة خصوصاً لما يشوبه من إبهام فيما يتعلق بالجزء الثاني من المصطلح، ونعني به «الانتقالية« فهل توجد عدالة انتقالية؟ وما الفرق بينها وبين العدالة التقليدية المرتبطة بأحكام القضاء واللجوء إلى المحاكم بأنواعها ودرجاتها؟

بدأ مصطلح العدالة الانتقالية يتردّد على نطاق واسع في الدول العربية التي تمكنت شعوبها من الإطاحة بنظم اتسمت بالاستبداد والقمع أو بالفساد، أو بكليهما معاً. والاتجاهات المعاصرة تقوم علي حقيقة أنه في البلاد التي عانت صراعات مسلحة، أو حكم نظم استبدادية أو قمعية، يجب أن يعقب انتهاء تلك الصراعات، أو زوال هذه النظم، الأخذ بمبادئ العدالة الانتقالية التي تقوم أساساً علي توثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تم ارتكابها في حق الوطن والمواطنين، وغيرها من صور إساءة استعمال السلطة، وكشف حقيقتها، وإعلام المواطنين بها، فضلا عن محاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات والتجاوزات، وتطهير مؤسسات الدولة ممن تورط في ارتكاب الجسيم من الجرائم والتجاوزات، مع إصلاح تلك المؤسسات بهدف منع تكرار مثل تلك الانتهاكات، مع القصاص العادل للضحايا، وإنصاف أهليتهم، أو تخليد ذكراهم، ووضع البرامج اللازمة لإعادة تأهيل، ودمج من هم على قيد الحياة منهم، فضلا عن تحقيق المصالحة بين أطياف الشعب المختلفة.

[ 1- نشأة وتطور مفهوم العدالة الانتقالية

نشأ مفهوم العدالة الانتقالية في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالتصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مرحلة ما بعد الصراعات والمنازعات للانتقال للديمقراطية في صورتها المعاصرة. واتسع مفهوم العدالة الانتقالية ليستوعب العديد من العلوم القانونية، والآليات القضائية وغير القضائية، فضلا عن العديد من العلوم غير القانونية، مثل العلوم السياسية، والثقافية، والتنموية، والاقتصادية، والتعليمية، والأخلاقية، والتاريخية، والفلسفية، والنفسية، والاجتماعية، إلى أن امتد ليشمل أيضا الدراسات الدينية. وبدأ البحث الأكاديمي الحقيقي لهذا المفهوم يتضح أكثر فأكثر من من خلال الثورات والتغيرات السياسية الحادة في أوروبا الشرقية، والانتقال إلي مرحلة الديمقراطية في دول أميركا اللاتينية وإفريقيا.

رغم أن مفهوم العدالة الانتقالية ودوافعها السياسية والقانونية والحقوقية والإنسانية، أخذ يتبلور وإنْ كان ببطء في العديد من التجارب الدولية وفي العديد من المناطق في العالم، فإن أول تطبيق لمفهوم العدالة الانتقالية حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية فيما يخص ضحايا النازية، وانْ كان قد شابه شيء من التسييس، وخصوصاً بعد تقسيم ألمانيا من جانب دول الحلفاء. فجاءت محاكمات نورنبرغ بألمانيا وطوكيو باليابان، لمعاقبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية من النازيين وغيرهم كما اتخذ بُعداً جديداً في أميركا اللاتينية وخاصة بعد ما حصل في تشيلي إثر الانقلاب العسكري في 11 سبتمبر 1973، الذي قاده الجنرال بينوشيه.

ومنذ سبعينيات القرن العشرين وحتى الآن شهد العالم أكثر من 30 تجربة للعدالة الانتقالية من بين أهمها تجربة تشيلي والارجنتين والبيرو والسلفادور ورواندا وسيراليون وجنوب افريقيا وتيمور الشرقية وصربيا واليونان، ويمكن اعتبار البرتغال وإسبانيا والدول الاشتراكية السابقة أنها شهدت نوعاً من أنواع العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، كما يمكن اعتبار تجربة المغرب أنها شهدت شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. لكن تظل تجربة دولة جنوب إفريقيا في الانتقال إلي مرحلة الديمقراطية هي التي أعطت مثالاً ناجحاً لتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية هذا.

تختلف العدالة الانتقالية عن العدالة التقليدية المتواترة لكونها تُعنى بالفترات الانتقالية في البلدان التي شهدت نزاعات مسلحة، أو حروب أهلية، أو فترات طويلة من الحكم الشمولي، أو ثورة سياسية، ويمكن حصر حالات الانتقال إلى تحقيق العدالة الانتقالية على النحو التالي: الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح إلى حالة السلم، أو من حالة حرب أهلية إلى حالة السلم، أو الانتقال من حالة صراع سياسي داخلي يرافقه عنف مسلح إلى حالة السلم وولوج سبيل التحوّل الديمقراطي، أو الانتقال من حكم سياسي تسلّطي إلى حالة الانفراج السياسي والانتقال الديمقراطي، أي الانتقال من حكم منغلق بانسداد آفاق، إلى حكم يشهد حالة انفتاح وإقرار بالتعددية، وهناك حالة أخرى وهي فترة الانعتاق من الكولونيالية أو التحرر من احتلال أجنبي باستعادة أو تأسيس حكم محلي، وكل هذه المراحل تواكبها في العادة بعض الاجراءات الإصلاحية الضرورية وسعي لجبر الأضرار لضحايا الانتهاكات الخطيرة وخصوصاً ذات الأبعاد الجماعية.

في ظل تطور ثقافة حقوق الإنسان التي اتخذت خلال العقود القليلة الماضية بعداً دولياً متزايداً، وانتشار الثقافة الديمقراطية بشكل عام والثقافة الحقوقية بشكل خاص، أصبحت العلاقة بين مفهوم العدالة الانتقالية والقانون الإنساني الدولي وثيقة جداً.. وإذ كان أحد أهم أهداف العدالة الانتقالية، وهو التصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، يشكل المحور الأساسي للقانون الإنساني الدولي، فإنه يعني أساسا بوضع القواعد اللازمة للتصدي لتلك الانتهاكات التي تقع إبان الصراعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية، ومحاسبة مرتكبي تلك الانتهاكات. بيد أن نطاق مفهوم العدالة الانتقالية يستوعب أمورا أكثر من ذلك، إذ إنه يغطي حالات انتهاك حقوق الإنسان في أوقات السلم أيضا، ويشتمل على العديد من الآليات التي لا يعني بها القانون الدولي الإنساني، مثل التطهير، وإصلاح المؤسسات، والمصالحة.ويري جانب آخر من الفقه أن مفهوم العدالة الانتقالية يرتبط بصفة مباشرة بمجال العدالة الجنائية بحسبانه نشأ في ظل محاكمات نورنبرغ الشهيرة، وتبلور وفقا لمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية الذي يحكمه القانون الجنائي.

ولعبت مؤسسات المجتمع المدني دوراً فعالاً في تعميق وتوسيع مفهوم العدالة الانتقالية خلال العقدين الماضيين، لا سيما بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وموجة التغيير التي اجتاحت أوروبا الشرقية وقادت إلى تحوّلات ديمقراطية أنهت الأنظمة الشمولية وفتحت الباب على مصراعيه لإشاعة الحريات وتعزيز دور المجتمع المدني والاعلاء من شأن الفرد وتقليص توجه الدولة للتدخل بالشؤون الاقتصادية وغيرها من التوجهات الانفتاحية التي انتقلت إلى العديد من دول امريكا اللاتينية وبعض بلدان آسيا وأفريقيا، حيث اعتبرت الديمقراطية واحترام حقوق الانسان القيمة العليا، التي يقاس بموجبها تقدم أي مجتمع. وهو الأمر الذي يفترض علاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم على أساس اختيار المحكومين للحكام بشكل دوري وفصل السلطات وتأكيد استقلال القضاء وإعمال مبدأ سيادة القانون ومبادئ المساواة والمواطنة.

وناضلت مؤسسات المجتمع المدني، واللجان المدافعة عن حقوق الإنسان في البلدان الي شهدت نزاعات مسلحة، أو حروباً أهلية، من أجل إحالة محاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، على المحكمة الجنائية الدولية، وعملت على تصنيف العدالة الانتقالية أيضا تحت فرع القانون الجنائي الدولي، وهو أحد فروع القانون الحديثة، باعتباره يعنى بالتصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وقت الحرب ووقت السلم، مع مراعاة أن مبادئ القانون الجنائي الدولي قد طورت مفاهيمها الاساسية، استنادا إلى مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي، العرفية منها والتعاهدية.

ولعبت منظمة الأمم المتحدة دوراً مهماً في تحديد معالم العدالة الانتقالية من خلال مقاربة قائمة على احترام سيادة القانون، خلال فترات ما بعد الصراع الأهلي، أو النزاع المسلح. وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، تم التعويل على المحاكمات الجنائية الدولية وشبه الدولية، أو المحاكم المختلطة، كأهم آليات تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية، كما حدث في يوغوسلافيا السابقة، ورواندا، وسيراليون، وتيمور الشرقية.

[2- تعريف مفهوم العدالة الانتقالية في بلدان الربيع العربي

رغم أن الثورات الديمقراطية العربية التي حصلت في تونس، ومصر، واليمن، وأسقطت رؤوس الأنظمة التسلطية في هذه البلدان، فإنها لم تكن حاملة في سيرورتها التاريخية مشاريع راديكالية لبناء دول ديمقراطية حقيقية، وهذا ما جعل هذه الثورات تتعرض لانتكاسات حقيقية، من خلال مصادرتها وركوب موجاتها حركات الإسلام السياسي، التي حرفتها عن مسارها الطبيعي والتاريخي.

ومع كل ذلك، فقد وضعت هذه البلدان تعاريفها بشأن مفهوم العدالة الانتقالية. وعلى سبيل المثال، فقد تبني مشروع القانون اليمني الخاص بالعدالة الانتقالية تعريفاً مماثلاً لوثيقة الأمم المتحدة المشار إليها سابقا، حيث عرف العدالة الانتقالية بأنها: «كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق، بغية تحقيق العدالة التصالحية للكشف عن الحقيقة، وجبر ضرر الضحايا، وحفظ الذاكرة الوطنية، ومنع تكرار انتهاكات حقوق الإنسان في المستقبل«.

أما مشروع القانون الأساسي للعدالة الانتقالية بتونس، فقد عرف العدالة الانتقالية بأنها: « مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا، ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية، ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها، ويرسي ضمانات عدم التكرار، والانتقال من حالة الاستبداد إلي نظام ديمقراطي يسهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان«. وتعد تونس من أكثر الدول العربية تقدما بصفة عامة في إجراءات العدالة الانتقالية. فقد أسندت ملف حقوق الإنسان إلي وزارة مختصة، هي «وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية«. وتضمن برنامج عمل الحكومة المؤقتة بعد الثورة موضوع «العدالة الانتقالية« كإحدى الأولويات الأربع في عملها، كما أنشأت آلية خاصة لتعويض الضحايا وتأهيلهم، هي «صندوق شهداء وجرحي الثورة وضحايا الاستبداد«. ووفقا للمرسوم رقم 97 لسنة 2011، تم تشكيل لجنة شهداء الثورة ومُصَابِيهَا، تَضُمُ في عضويتها ممثلين عن المجتمع المدني، ورئاسة الحكومة، والمجلس الوطني التأسيسي، وتم إنشاء لجنة فنية للإشراف على الحوار الوطني حول العدالة الانتقالية، وكل ذلك يتزامن مع ما يتم إجراؤه من محاكمات جنائية لرموز النظام السابق.

[3 – أهداف العدالة الانتقالية

في مختلف الحالات التي شهدتها البلدان التي مرت بظروف تاريخية غاية في الصعوبة والتعقيد، مثل الحرب الأهلية، والنزاعات المسلحة، والحكم الشمولي التسلطي، فإن مفهوم العدالة الانتقالية ينطوي على حزمة من التدابير القضائية وغير القضائية اللازم التعويل عليها لتحقيق أهدافه.

ووفقا للتجارب السابقة في العديد من الدول، فإن مفهوم العدالة الانتقالية يقوم أصلا على ست دعائم رئيسة ومترابطة تشكل آليات وأهدافا ستة لها في الوقت ذاته، هي:

أولاً: «معرفة الحقيقة«، من أهم حقوق ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان معرفة الحقيقة حول الأسباب والظروف التي ارتكبت خلالها التجاوزات والجرائم التي ترتب عليها إلحاق الضرر بهم بكافة صوره المادية والمعنوية. ويتسع هذا الحق خلال فترات العدالة الانتقالية ليشمل المجتمع كله. فأول أهداف العدالة الانتقالية هو كشف الحقيقة، ومعرفة طبيعة ما وقع من جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة الاستبداد أو القمع، مع تحديد المسؤول عنها، باعتبار ذلك حقا لكل مواطن. وتعد وثيقة الأمم المتحدة المعدلة حول «مجموعة المبادئ لحماية وترويج حقوق الإنسان من خلال مكافحة عدم الإفلات من العقاب« من أولى الوثائق الدولية التي تصدت لمفهوم الحق في معرفة الحقيقة، ودعت إلي إنشاء كيانات لتقصي الحقائق المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتوثيقها.

ومن أفضل التجارب في اتباع آليات معرفة الحقيقة لاجتياز المرحلة الانتقالية، هي تجربة جنوب إفريقيا، التي اعتمدت على إنشاء لجنة تقصي الحقائق التي حملت الإسم التالي: «هيئة معرفة الحقيقة وتحقيق المصالحة«، والتي كانت مخصصة للتحقيق في الجرائم المرتكبة في ظل النظام العنصري السابق – في غضون المدة من مارس 1960 إلي مايو 1994-، بهدف تجاوز الماضي، وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.

ثانياُ: «المحاسبة والقصاص«،أي إجراء محاكمات جنائية للمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، وغيرها من جرائم أخرى ضد الشعب والوطن، سواء تمت عن طريق محاكم وطنية، أو دولية، أو مختلطة. ولا يخفي علي القارئ أنه من بين أسباب اندلاع الثورة التونسية الاحتجاج على ممارسات البوليس السياسي، أي أجهزة أمن الدولة التي نعتها الناشطون الحقوقيون بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدت انتهاكات النظام البائد لتصيب شباب الثورة أنفسهم، فمات منهم من مات، وجرح من جرح، ولم تتمكن منظومة العدالة الجنائية الحالية في تونس من توفير محاسبة حقيقية، أو قصاص عادل، مما زاد من احتقان الشارع التونسي.. ولكي تتم محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبها البوليس السياسي التونسي في حق المناضلين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية، يجب الاسترشاد بمفاهيم العدالة الانتقالية. ولذلك، فمن المهم خلال المرحلة الانتقالية أن تعمل السلطات المعنية على اتخاذ ما يلزم من إجراءات لجمع الأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم، والقصاص للشهداء وللمصابين الأبرياء في أحداث الثورة، وفقا للقواعد القانونية العادية السارية، أو وفقا لقواعد العدالة الانتقالية التي تمكن القوى الثورية من تبني قواعد استثنائية، حتى في مجال إرساء المسؤولية الجنائية، شريطة أن تتسم بالموضوعية، والبعد عن تحقيق أو ترضية الأهواء الشخصية. وليس من اللازم أن تقتصر إجراءات المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بل يمكن أن تتعداها لتشمل جرائم الفساد، والجرائم الاقتصادية، كما حدث في كوريا الجنوبية عام 1987 بالنسبة لرجال الدولة الفاسدين، وهو الأمر المنطبق علي مرحلة العدالة الانتقالية في تونس ومصر. ومن الممكن أن يتم نظر هذه القضايا أمام محكمة متخصصة للعدالة الانتقالية، بحيث تحيل محاكم الجنايات من تلقاء نفسها ما يوجد لديها من قضايا متعلقة بوقائع قتل وشروع في قتل وإصابة المتظاهرين السلميين إلي تلك المحكمة.

ثالثاً: التعويض وجبر الضرر: من أهم مرتكزات مفهوم العدالة الانتقالية تعويض ضحايا القمع للمناضلين السياسيين والنقابيين ونشطاء حقوق الانسان، وجبر ما لحق بهم من أضرار، وإعادة تأهيلهم، وتخليد ذكراهم. ومن المهم اتباع وسائل وإجراءات سليمة وناجزه لتحديد الشهداء والضحايا، وتأمين حصولهم على التعويضات المناسبة، والإرضاء الكافي لأسرهم في حالة استشهادهم..

إن عدم جبر أضرار الضحايا ومن أصيب بضرر من ذويهم أو المحيطين بهم قد يؤدي إلى المزيد من التوتر والاحتقان في المجتمع. ذلك أن الضحايا المقصودين بآليات العدالة الانتقالية ليسوا هم فقط المجني عليهم ممن قتلوا وأصيبوا خلال تلك الأحداث، بل إن الأمر يمتد لأسرهم وأهاليهم ممن فقدوا أبناءهم وذويهم. ويتعين الاستماع لمشاغل وآراء أولئك الأشخاص في كافة المراحل، خاصة خلال الدعوى الجنائية. لذلك، يتعين على المشرع الوطني التدخل لوضع آليات قانونية ناجزه لتعويض ضحايا الجرائم الجسيمة، حتى لا يشكل ذلك ذريعة أخري للاحتجاجات والاشتباكات.

رابعاً: التطهير: من الممكن أن تقترن المرحلة الانتقالية بتطهير مؤسسات الدولة التونسية، وإقصاء المسؤولين التونسيين ممن أفسدوا الحياة السياسية. وتستلزم هذه الآلية مراجعة أعمال المسؤولين السابقين من رجالات النظام السابق بغرض التيقن مما صدر عنهم من تجاوزات وانتهاكات، وإقامة الدليل عليها، مع التأكد من أهلية المسؤولين الحاليين لتقلد مناصبهم العامة. ومن أهم أغراض عملية التطهير الحد من النفوذ السياسي والاقتصادي لرموز النظام السابق ممن أفسدوا وأجرموا في حق البلد لمنعهم من إعاقة مسيرة الإصلاح، فضلا عن إقصاء الضالعين في ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من مؤسسات الدولة، لا سيما جهاز البوليس السياسي، إعمالاً لمبدأ المحاسبة، ولمنع ارتكاب مثل تلك الانتهاكات مستقبلا. ومن ثم، فلا يعكس مفهوم العدالة الانتقالية فقط مفهوم العزل السياسي، بل أيضا مفهوم العزل المؤسسي.

خامساً: الإصلاح المؤسسي:من أهم غايات العدالة الانتقالية إصلاح مؤسسات الدولة لضمان منع تكرار ما حدث من انتهاكات عن طريق تلك المؤسسات، أو عن طريق القائمين عليها، بما يتضمنه ذلك من إعادة هيكلة الأجهزة والمؤسسات المشتبه بارتكاب منتمين لها انتهاكات لحقوق الإنسان، أو إساءة استعمال السلطة، وذلك لإزالة الأسباب والعناصر التي أدت إلى تلك الانتهاكات والممارسات التعسفية، أو القمعية، بما يضمن تعديل أنماط ممارسات السلطة نحو الشفافية، والنزاهة، ومراعاة حقوق الإنسان. لذلك، يجب أن تتسع إجراءات العدالة الانتقالية لكي تتضمن إصلاح مؤسسات الدولة، وإرساء مبادئ سيادة القانون التي يجب أن تحكم عمل تلك المؤسسات. ومن أهم المؤسسات التي يشملها الإصلاح المؤسسي، خلال المرحلة الانتقالية، الأجهزة الأمنية التي يجب أن يعاد تقييمها، ومراجعة أعمال القائمين عليها، والعاملين بها، فضلا عن مراجعة التشريعات واللوائح والقرارات المنظمة لعملها، وتعديلها، وإعادة هيكلة المؤسسة، إذا لزم الأمر، مع إيلاء أهمية قصوى للتدريب، ورفع وعي العاملين بها بمبادئ حقوق الإنسان. وكيفية إعادة هيكلة أو إصلاح جهاز الشرطة، وقدر إعادة الهيكلة أو الإصلاح المطلوبين – سواء كان جزئيا أو شاملا – تضطلع بها عادة القوى والحكومات الثورية خلال المراحل الانتقالية. وقد تستعين تلك القوى والحكومات بخبرات المؤسسات الدولية والمنظمات العاملة في هذا المجال، خاصة منظمة الأمم المتحدة، من خلال أجهزتها المتخصصة التي لديها خبرات متراكمة اكتسبتها من خلال عملها في العديد من الدول.

سادساً: المصالحة الوطنية:الحق أن العدالة الانتقالية ذات صلة وثيقة بالمصالحة الوطنية، وأن المصالحة كأحد مكونات منظومة العدالة الانتقالية تشكل في حد ذاتها أهم أهدافها. إذ إنه من المستقر أن المصالحة الوطنية من أهم مفردات أية تسوية سياسية، وإن عدم تحقيقها قد يفشل هذه التسوية برمتها. وهناك العديد من الدول التي ركزت في المراحل الانتقالية على آلية المصالحة لإعادة تحقيق السلام الاجتماعي في المجتمع، ولعل تجربة جنوب إفريقيا توفر أفضل الممارسات في هذا الشأن. فأهم ما يميز مرحلة العدالة الانتقالية في جنوب إفريقيا أنها اعتمدت على آلية خاصة لبلوغ المصالحة الوطنية، تقوم أساسا على إقرار المسؤول بما ارتكبه من انتهاكات وتجاوزات أمام هيئة معرفة الحقيقة كشرط للحصول على العفو، بلوغا للمصالحة الوطنية، بغرض تحقيق العدالة التصالحية، وليس العدالة العقابية، أو الانتقامية. بل إن بعض نظم العدالة الانتقالية قد عولت على الاعتذار كإحدى آليات العدالة الانتقالية.

وتحاول العديد من دول الربيع العربي – مثل اليمن – أن تجتاز مرحلة ما بعد الثورات العربية بتطبيق مفهوم العدالة التصالحي، وهو أمر محمود، إذا ارتضت بهذا التوجه كافة أطياف المجتمع، خاصة التي عانت منه التهميش، أو كانت محلا للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

 

صحيفة المستقبل اللبنانية، راي و فكر، الثلاثاء 31مارس 2015

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق